
سمية النور دهب..دبلن
السلام لا يُبنى بالكلمات، بل بالجرأة على مواجهة الحقيقة
حين خرج ما يُعرف بـ«ميثاق القاهرة» إلى النور، توقع كثيرون أنه سيكون وثيقة حقيقية لإنهاء الحرب في السودان وإعادة المدنيين إلى مركز السلطة، ولكن الواقع كان مختلفًا تمامًا. الميثاق، بدلًا من أن يكون خطة لتفكيك الأزمة، بدا وكأنه محاولة لتجميل الوضع القائم، وإعطاء غطاء مدني لبنية السلطة القديمة، مع الإبقاء على المؤسسة العسكرية لاعبًا رئيسيًا في السياسة والاقتصاد.
أولى ملاحظات الميثاق اللافتة هي غياب أي نص صريح عن إخراج الجيش من السياسة والاقتصاد، وكأن لغة العموم كانت كافية لتجاوز حقيقة أن السودان لن يشهد سلامًا مستدامًا أو حكمًا مدنيًا ديمقراطيًا ما لم يُقصى العسكر من مسار القرار. هذه اللغة الرمادية لم تقل شيئًا عن تفكيك المليشيات، ولا عن إعادة بناء الجيش على أسس وطنية مهنية، ما يجعل من الوثيقة محاولة لتهدئة الانقسام دون مواجهة جذور الأزمة.
أما مسألة العدالة فقد ظهرت بشكل شعاراتي، بعيدًا عن آليات واضحة لمساءلة المسؤولين عن الحرب والانتهاكات. العدالة هنا مجرد عبارة جميلة على الورق، دون أي أثر فعلي في الواقع. وبنفس المنطق، غياب الحديث عن جماعة الإخوان المسلمين كان واضحًا، كأن الميثاق تجنّب الحديث عن التيار الذي سيطر على مؤسسات الدولة، وشارك في عسكرة الجيش وإفشال الحراك المدني لعقود.
من جهة أخرى، جاءت الإشارة إلى الرباعية الدولية ضعيفة وعابرة، بينما وُلد الميثاق في القاهرة، العاصمة التي لم تكن يومًا وسيطًا نزيهًا، بل ارتبطت تاريخيًا بدعم الأنظمة المستبدة ومصالحها الخاصة على حساب إرادة الشعب السوداني. هذا الافتقار إلى موقف صريح من التدخلات الإقليمية جعل الوثيقة تبدو أقرب إلى محاولة لمواءمة المبادرة المدنية مع الرؤية المصرية والسعودية، التي ركّزت طوال السنوات الماضية على “الحفاظ على مؤسسات الدولة” المأزومة والفاسدة، بدل إعادة تأسيسها.
الوثيقة أيضًا لم تعِد تعريف الدولة على أسس عادلة، ولم تقدم أي تصور حقيقي لمستقبل السودان بعد الحرب، بل اكتفت بالعموميات حول “الدولة المدنية” و“الوحدة الوطنية”، في حين أن البلاد بحاجة إلى خارطة طريق واضحة لإنهاء هيمنة العسكر، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وضمان مشاركة حقيقية للمدنيين، وخاصة النساء والشباب، في صنع القرار.
باختصار، يظهر الميثاق أكثر كـمحاولة لتجميل السلطة وإرضاء الفاعلين الخارجيين، بدل أن يكون أداة لتغيير حقيقي. السودان يحتاج إلى جرأة صريحة في مواجهة الحقيقة، لا إلى كلمات تتناغم مع مصالح قوى إقليمية، وتخفي جذور الأزمة الحقيقية. أي وثيقة لا تفعل ذلك تبقى مجرد وهم، ولو كُتبت بأحرف كبيرة على الورق.




