رأي

لم نغادر دولة ٥٦ إنها تطل من النوافذ

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

دار بيني وبين صديقي الشيوعي القديم نقاشٌ أقرب إلى “الكوميديا السوداء” عن الشأن السوداني وتحالف السودان التأسيسي، ذاك التحالف الذي وُلد ليبني دولة جديدة على أنقاض “دولة 56” البائسة — تلك الدولة التي ما فتئت تلد لنا فشلاً بعد فشل، وتورّثنا جيلاً بعد جيل من الأزمات والخيبات، كأنّها لعنةٌ باقية في دفتر التاريخ السوداني.

قلت لصديقي بثقة الباحث عن الخلاص: إن “التأسيس” يعني ببساطة أن نبني وطناً جديداً، دولة على أسسٍ مغايرة، بعد أن سامتنا دولة 56 سوء العذاب، وحرمتنا من حقّنا في العيش بكرامة وعدالة ومواطنة متساوية.

ابتسم صديقي الماركسي ابتسامة من يعرف دهاليز التاريخ، وقال لي ساخرًا: “يا صديقي، أنتم خرجتم من دولة 56، لكن دولة 56 لم تخرج منكم بعد!”

فكّر قليلاً، ثم أضاف بحكمةٍ مغموسة في التهكم: “هي نفس حكاية حركة (حق).. خرجت من الحزب الشيوعي، لكن الحزب لم يخرج منها!”

توقّفتُ عند عبارته طويلاً. فربما كان على حق — أو على “حقّين” كما نقول في السودان حين يختلط الجدّ بالهزل.

ذلك لأنّ الذهنية التي أسّست دولة ما بعد الاستعمار لا تزال كامنة في اللاوعي السياسي السوداني: مركز يحتكر القرار، نخبة تُدير البلاد بعقلية السادة القدامى، وجيشٌ يحرس مصالح الخارج أكثر مما يحمي الداخل. كل ذلك هو “دولة 56” التي كتبت عنها مراراً في مقالاتي السابقة — الدولة التي أدمَنَت الفشل حتى صار جزءاً من حمضها النووي!

لكن، وللإنصاف، فإن تحالف السودان التأسيسي لم يأتِ ليكرر التجارب العقيمة، بل حمل بين يديه وثائق ثلاث يمكن وصفها بأنها الأكثر جرأة منذ فجر الاستقلال:

الميثاق السياسي الذي أعاد تعريف الدولة على أساس المواطنة لا الامتيازات.

الدستور الانتقالي الذي تبنّى اللا مركزية والديمقراطية والعلمانية بوضوح لا لبس فيه.

المبادئ فوق الدستورية التي أرست الأساس الأخلاقي لبناء جيش قومي ومؤسسات مهنية مستقلة، تتجاوز تلك التي حوّلت البلاد إلى “حجر ضبٍّ خرب” — كما يسميه السودانيون حين يعجزون عن وصف الخراب المتكامل!

ومع ذلك، فإن كل هذه الوثائق، على رصانتها، تظل حِبراً على ورق إن لم تصحبها آليات تنفيذ واضحة، تضع الجداول الزمنية وتوزيع الصلاحيات والمساءلة أمام الناس لا خلف الأبواب المغلقة. لا نريد تأسيساً يقوم على الشعارات، بل تأسيساً يقوم على الإجراءات.

فالتاريخ علّمنا أن الدولة السودانية بارعة في كتابة المواثيق… وبطيئة في تطبيقها.

ولهذا يجب على التأسيس أن يبرهن فعلياً أنه خرج من رحم دولة 56 لا من ظلّها.

أن يضع خطة لتفكيك المركزية المقيتة، وإعادة هيكلة الجيش على أسس مهنية، وإنشاء منظومة عدالة انتقالية لا تعرف الانتقام بل الحقيقة والمصالحة.

وأن يقدّم برنامجاً اقتصادياً يعيد توزيع الثروة لصالح المجتمعات المهمّشة، لا لصالح طبقة جديدة من البيروقراطيين بثياب “ثورية”.

وقبل كل ذلك، على التأسيس أن يُقلع عن خطاب المظلومية الذي يجرّنا دائماً إلى مربّع البكاء الجماعي.

فالثورات لا تُدار بالدموع ولا بالتاريخ وحده، بل بعقلٍ تخطيطي واقعي، يفكر خارج المألوف ويكسر الدائرة المغلقة التي تعيدنا كل مرة إلى ذات البداية.

نعم، نحن نريد أن نغادر “دولة 56”، ولكن علينا أولاً أن نُخرجها من عقولنا، من طرائقنا في التفكير والتنظيم وإدارة الخلاف.

فـ”التأسيس” ليس مجرد لافتة أو شعار براق، بل مشروع بناء وطني يتجاوز الحنين والنقمة معاً، ويعيد رسم علاقة جديدة بين السلطة والمجتمع، بين الجيش والمدنيين، بين المركز والهامش.

وحين يتحقق ذلك، يمكننا أخيراً أن نضحك مع صديقي الشيوعي القديم ونقول له بثقةٍ تامة:

“المرّة دي يا رفيق… دولة 56 فعلاً طلعت مننا!”

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!