رأي

الإنسان أولاً: نحو “تأسيس” حقيقي يتجاوز الشعارات في السودان

زينب حسن سعيد

 

​ زينب حسن سعيد

​مع الأيام الأولى من عام 2026، وبينما يتبادل السودانيون الأمنيات بالعبور والنهضة، يبرز تساؤل جوهري يطرح نفسه على الساحة الوطنية، وتحديداً أمام القوى الساعية للتغيير مثل “تحالف السودان التأسيسي”: هل يبدأ “التأسيس” من أروقة الوزارات ونصوص الدساتير، أم أنه يبدأ من عمق الذات الإنسانية؟

​دوامة الفشل.. أين الخلل؟

​منذ نيل الاستقلال، ما يزال السودان أسيراً لدائرة مفرغة رتيبة: (حكم عسكري، يليه حكم مدني، ثم فشل، فثورة). والسبب في هذا الدوران العقيم هو انشغالنا الدائم بترميم “قمة الهرم” السياسي، بينما القاعدة الأساسية –وهي الإنسان– تعاني من تصدعات بنيوية عميقة. لقد جربنا الخيارات السياسية كافة، والنتيجة تؤكد أن العطل ليس في “نوع” النظام فحسب، بل في الثقافة المجتمعية التي تدير هذا النظام.

​لقد تغلغل الفشل في واقعنا حتى صار يشبه “الثقافة العامة”؛ فنحن نطمح لنهضة تضاهي التجارب العالمية، لكننا في المقابل نهدر الوقت، ونحتقر القانون، ونعتمد “العشوائية” منهجاً. في الحقول والمكاتب، لا يفشل الإنتاج لنقص في الموارد، بل يغيب بسبب غياب التخطيط وضياع المسؤولية الفردية.

​جدلية الإصلاح: مسؤولية الفرد وهيبة القانون

​إن بناء الأوطان لا يقوم على كاهل الفرد وحده، كما لا يصنعه القانون بمعزل عن وعي الإنسان؛ بل هو عقد اجتماعي متوازن. فبينما نطالب المواطن بالانضباط والترفع عن “الواسطة” وتغليب الكفاءة، يجب على الدولة أن توفر “البيئة الحاضنة” لهذا الصلاح. فلا يمكن استرداد هيبة الدولة بمواطن يتهرب من مسؤوليته الأخلاقية، وفي المقابل، لا يمكن لوم المواطن على الفوضى إذا غاب القانون الرادع الذي يطبق على الجميع دون استثناء. إن التأسيس الحقيقي يتطلب مسارين متوازيين: إنساناً يستشعر المسؤولية، ودولةً تحمي هذا الشعور عبر مؤسسات عادلة تحول “الاستقامة” من خيار أخلاقي فردي إلى نظام حياة محمي بقوة الدستور.

​الرهان الأخير: هندسة المورد البشري

​إن المخرج الوحيد من هذه الأزمة يكمن في إعطاء الأولوية المطلقة لقطاع “بناء الإنسان”. إن المشروع التأسيسي الذي ننشده يجب أن يرتكز على دعامتين:

​ثورة تعليمية: تتحول فيها المؤسسات التعليمية من مصانع لـ “الشهادات الورقية” إلى محاضن لبناء “العقول المدبرة” التي تتقن التخطيط، الإدارة، واحترام قيمة الوقت.

​غرس القيم السلوكية: تحويل قيم الأمانة والنزاهة من مجرد شعارات إلى ممارسات عملية، وربط “مخافة الله” بجودة العمل والانضباط المهني.

​الخاتمة: الأساس قبل السقف

​إن التاريخ يخبرنا أن الدول لا تنهار بسبب نقص مواردها الطبيعية، بل بسبب عجز إنسانها. الاستثمار في “الإنسان السوداني” تعليماً وتدريباً وتقويماً هو الضمان الوحيد لنجاح أي مشروع سياسي أو اقتصادي.

​بناء الإنسان هو “القطاع الأول” والأساس الذي يسبق السقف. فقبل أن نشرع في إصلاح مؤسساتنا، علينا أن نصلح نفوسنا ومفاهيمنا، ليكون عام 2026 هو عام العبور الحقيقي من العشوائية إلى النظام، ومن الشعارات إلى البناء الفعلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!