رأي

تفجير الطاقات المحلية لدفع العملية الاقتصادية في السودان

سهيبة مريش.. نيالا

 

سهيبه مريش.. نيالا 

تقف الحكومة الانتقالية في السودان أمام تحدٍ اقتصادي جسيم، ورثته من عقود طويلة من السياسات غير الرشيدة التي أفضت إلى انهيار المنظومة المصرفية والاقتصادية، وإلى سوء إدارة الموارد البشرية والطبيعية منذ خروج المستعمر في العام 1956. وفي ظل هذا الواقع المعقّد، يبرز تفجير الطاقات المحلية بوصفه أحد أهم المداخل الواقعية والفعّالة لدفع عجلة الاقتصاد، لا سيما عبر دعم المنتجات الصغيرة والمتوسطة وتمكين صغار المنتجين.

تُعد الصناعات والمنتجات الصغيرة حجر الزاوية في بناء الاقتصادات الحديثة، لما لها من قدرة على تحريك الاقتصاد المحلي ورفده بفرص عمل مستدامة، إضافة إلى مساهمتها في تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز الإنتاج الوطني. ففي بلد يزخر بموارد بشرية شابة ومبدعة مثل السودان، يمكن لهذه المنتجات أن تمثل رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي، إذا ما أُحسن توجيهها ودعمها.

وتكمن أهمية المنتجات الصغيرة والمتوسطة في كونها أكثر مرونة وقدرة على التكيّف مع المتغيرات، كما أنها تعتمد في جوهرها على الابتكار والإبداع، الأمر الذي يفتح المجال أمام تطوير منتجات جديدة ومتنوعة تسهم في توسيع القاعدة الإنتاجية وتنويع الاقتصاد. كما تلعب هذه الصناعات دورًا محوريًا في تمكين الشباب والنساء، ودمجهم في الدورة الاقتصادية، بما يعزز الاستقرار الاجتماعي إلى جانب الأثر الاقتصادي المباشر.

غير أن تحقيق هذا الدور المنشود لا يمكن أن يتم بمعزل عن تدخل فاعل من الدولة. إذ يقع على عاتق الحكومة دور محوري في تهيئة البيئة المناسبة لنمو هذه القطاعات، عبر حزمة من السياسات الاقتصادية المدروسة. ويأتي في مقدمة ذلك توفير الدعم المالي من خلال القروض الميسّرة والتسهيلات الائتمانية، بما يساعد صغار المنتجين على تجاوز عقبة رأس المال التي تعد من أكبر التحديات التي تواجههم.

كما لا يقل التدريب والتأهيل أهمية عن التمويل، فرفع كفاءة المنتجين المحليين وتزويدهم بالمهارات الحديثة في مجالات الإنتاج، والإدارة، والتسويق، من شأنه تحسين جودة المنتجات وزيادة قدرتها على المنافسة في الأسواق المحلية والإقليمية والدولية. ويُضاف إلى ذلك أهمية فتح قنوات تسويق آمنة وفعالة، عبر تنظيم المعارض، ودعم المشاركة في الفعاليات التجارية، وربط المنتجين بالأسواق الخارجية.

ورغم الأهمية الكبيرة للصناعات الصغيرة، إلا أنها تواجه تحديات حقيقية، من بينها ضعف البنية التحتية، ونقص الوعي بالسوق، وغياب دراسات الجدوى العلمية. وهنا تبرز ضرورة الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص، لتجاوز هذه العقبات من خلال تطوير البنية التحتية، وتوفير المعلومات السوقية، وبناء منظومات دعم متكاملة.

إن تبني سياسات جادة لدعم الطاقات المحلية من شأنه أن يقود إلى نتائج إيجابية ملموسة، أبرزها زيادة الإنتاج والإنتاجية، وخلق فرص عمل واسعة، وتنويع مصادر الدخل القومي، وتعزيز الاعتماد على الذات.

ختامًا، فإن تفجير الطاقات المحلية لدفع العملية الاقتصادية في السودان ليس خيارًا ترفيًا، بل ضرورة وطنية تفرضها المرحلة. وبالتكامل بين جهود الحكومة والقطاع الخاص والأفراد، يمكن للصناعات الصغيرة والمتوسطة أن تشكل قاعدة صلبة لنمو اقتصادي مستدام، وتحسين حقيقي في مستوى معيشة المواطنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!