رأي

بين الأبارتهايد و الهيمنة النخبوية: مقارنة في تجربة جنوب أفريقيا و السودان  مقاومة الهيمنة: هل يولدالمشروع الوطني؟ (3)

 بروفيسور/ سيف الدين عبد الرحمن

 

 بروفيسور/ سيف الدين عبد الرحمن

في التاريخ السوداني مفارقة لافتة. فالشعب الذي استطاع إسقاط أنظمة عسكرية ديكتاتورية عبر الانتفاضات الشعبية لم ينجح حتى الآن في إعادة بناء الدولة على أسس جديدة. منذ ثورة أكتوبر 1964 مرورًا بـ انتفاضة أبريل 1985 وصولًا إلى الثورة السودانية 2018-2019 أثبت السودانيون قدرتهم على مقاومة السلطة، لكن السؤال الذي ظل معلقًا هو؛ ماذا يحدث بعد سقوطها؟ و هل يمكن أن تتحول طاقة المقاومة هذه يومًا إلى مشروع وطني يعيد تعريف الدولة نفسها؟

 

على الرغم من تعقيد المشهد السياسي في السودان فإن تاريخ البلاد يكشف عن تقليد عميق من المقاومة المدنية و السياسية. فقد تمكن السودانيون في أكثر من مناسبة من إسقاط أنظمة عسكرية عبر الانتفاضات الشعبية. كانت أولى هذه اللحظات التاريخية في ثورة أكتوبر 1964 التي أنهت حكم إبراهيم عبود، ثم تكررت التجربة في انتفاضة أبريل 1985 التي أطاحت بنظام جعفر نميري.

 

و في أطراف البلاد ظهرت مشاريع سياسية حاولت إعادة تعريف الدولة السودانية نفسها. كان أبرزها مشروع السودان الجديد الذي طرحه الزعيم الراحل جون قرنق عبر الحركة الشعبية لتحرير السودان، و الذي دعا إلى بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية بدلاً من الهيمنة المركزية. انتهي المشروع بوفاته أثر تحطم طائرة مروحية بطريقة اثارت الشكوك و أدت الي إنفصال جنوب السودان.

 

و في العقد الأخير عادت المقاومة المدنية بقوة عبر الثورة السودانية التي أطاحت بحكم عمر البشير بعد ثلاثة عقود في السلطة. غير أن هذه اللحظات التاريخية كشفت مفارقة عميقة؛ فالسودان لم يفتقد القدرة على إسقاط الأنظمة، لكنه افتقد المشروع الوطني القادر على إعادة تعريف الدولة وبنائها بعد سقوطها.

 

و هنا ربما يكمن الدرس الأهم من تجربة جنوب أفريقيا. فنجاح ذلك البلد لم يكن نتيجة سقوط نظام الأبارتهايد وحده، بل نتيجة ظهور مشروع وطني جامع استطاع توحيد المجتمع حول فكرة الدولة القائمة على المواطنة و العدالة.

أما في السودان فما زال هذا السؤال مفتوحًا؛ كيف يمكن تحويل طاقة المقاومة المتكررة إلى مشروع تاريخي يعيد تعريف الدولة نفسها؟

فالدول لا تولد مرة واحدة، بل تتشكل عبر صراعات طويلة. و ربما يكون ما يمر به السودان اليوم، بكل ما فيه من ألم و مرارة، جزءًا من المخاض التاريخي الذي يسبق ميلاد الدولة السودانية الحديثة.

غير أن الفارق الجوهري بين التجربتين يكمن في طبيعة المشروع السياسي الذي قاد المقاومة. ففي جنوب أفريقيا نجحت قوى التحرر في بناء حركة وطنية واسعة استطاعت توحيد فئات المجتمع المختلفة خلف هدف واضح هو إنهاء الأبارتهايد و بناء دولة ديمقراطية متعددة الأعراق. أما في السودان فقد تكررت موجات المقاومة الشعبية، لكنها كثيرًا ما اصطدمت بغياب مشروع وطني جامع قادر على تفكيك البنية التاريخية للهيمنة النخبوية بصورة نهائية.

ولعل السؤال الذي سيحدد مستقبل السودان في السنوات القادمة ليس فقط كيف تسقط الأنظمة، بل كيف تُبنى الدولة بعد سقوطها. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب تستطيع هدم أنظمة الحكم، لكن بناء الدول يحتاج إلى فكرة جامعة تسبق السلطة وتبقى بعدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!