رأي

ضرورة بناء مؤسسة شرطية جديدة في السودان

محمد احمد قرقر

 

محمد احمد قرقر

إذا عدنا قليلًا إلى تاريخ السودان في الحقبتين التركية والإنجليزية، سنجد أن الاستعمار لم يُحكم سيطرته على البلاد عبثًا، بل عبر أدوات محددة كان في مقدمتها الجيش والشرطة. فقد أدرك المستعمر، منذ وقت مبكر، أن السيطرة على القوة المسلحة وأجهزة إنفاذ القانون هي المدخل الحقيقي لإخضاع الشعوب، وضمان نهب الموارد، وإخماد أي نزعة تحرر وطني.

في العهد التركي، شُكِّلت قوة شرطية أُديرت في معظمها بواسطة مصريين، بحجة إلمامهم بالإجراءات القضائية والإدارية، ووضِع تحت إمرتهم ضباط وجنود سودانيون. هذه التركيبة لم تُنشأ لحفظ الأمن أو تحقيق العدالة، بل كانت أداة قمعٍ وسلب، عانى بسببها السودانيون أصنافًا من التعذيب، ونهبت عبرها الثروات، وعلى رأسها الذهب والموارد الطبيعية الأخرى.

ثم جاءت الإدارة الاستعمارية الإنجليزية، فطوّرت جهاز الشرطة والأمن بصورة أكثر تنظيمًا، لكنها حافظت على جوهره القمعي. أُنشئت إدارات للأمن والأقسام الشرطية، وربطت بوزارة الداخلية، كما أُسس ما سُمّي بـ«البوليس السياسي»، الذي أوكلت له مهمة مراقبة النشاط المناهض للاستعمار، والذي وُصف آنذاك بـ«النشاط الهدام». لم يكن هذا الجهاز معنيًا بالأمن العام، بل بتجفيف منابع الوعي الوطني، وملاحقة كل من يعارض التبعية أو يطالب باستقلال حقيقي سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.

ومع تنامي الوعي الوطني، تمدد البوليس السياسي ليشمل العمال والمزارعين والطلاب والموظفين والطوائف الدينية، مستخدمًا مزيجًا من الإغراء والترهيب والعنف. الأخطر من ذلك أن هذه الأجهزة ظلت، بصورة أو بأخرى، خاضعة لتأثير المصالح المصرية، حتى بعد نهاية الحكم الاستعماري الشكلي، ما جعل مؤسسات الدولة السودانية هشة، تفتقر للاستقلال الحقيقي.

هذا الإرث الثقيل انعكس على الدولة الوطنية بعد الاستقلال. فلم تُبنَ مؤسسة شرطية مهنية مستقلة، بل استمرت الأجهزة الأمنية في أداء دورها كأداة لحماية النخب الحاكمة والتحالفات الخارجية، لا لحماية المواطن. وظلت التبعية، بأشكال مختلفة، حاضرة في القرار السيادي، وفي إدارة الحدود، والاقتصاد، وحتى في تفاصيل الحياة اليومية.

إن الأزمة الحالية التي يعيشها السودان ليست إلا نتيجة طبيعية لهذا التاريخ المختل. لذلك، فإن أي مشروع جاد لبناء دولة سودانية حديثة لا بد أن ينطلق من إعادة تأسيس مؤسسة شرطية جديدة، عقيدتها حماية المواطن، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان. مؤسسة تقوم على المهنية، والمساءلة، والاستقلال الكامل عن الولاءات الحزبية أو العسكرية أو الخارجية.

بناء الشرطة الجديدة ليس مسألة إدارية فحسب، بل خيار سياسي وأخلاقي. هو جزء لا يتجزأ من مشروع التحرر الوطني، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. وبدون هذه الخطوة، ستظل الديمقراطية شكلًا بلا مضمون، وستبقى الدولة عرضة للاختطاف من الداخل والخارج.

لقد اتخذ الشعب السوداني قراره بالسير نحو التحرر الكامل، وبناء دولة العدالة والمواطنة المتساوية. ولن يكتمل هذا المسار إلا بتفكيك إرث القمع، وتشييد مؤسسات وطنية جديدة، في مقدمتها شرطة تحمي الوطن لا تتحكم فيه، وتخدم الشعب لا تُخضعه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!