
فيصل ابكر شرف
لم تكن حرب الخامس عشر من أبريل مجرد انزلاق عسكري نحو الفوضى بل كانت الزلزال الذي كشف عن تصدعات هيكلية في جسد الدولة السودانية وهي الدولة التي صاغت هندستها النخبة النيلية على مدار سبعين عاما من الإقصاء الممنهج لقد أرادت هذه النخبة من الحرب أن تكون ممحاة تزيل أي صوت يطالب بحقوق الهامش لكنها تفاجأت بأنها فتحت على نفسها بحر الحقائق الذي كشف للعالم وللسودانيين زيف دولة الامتياز التي تدار اليوم من بورتوكيزان
على مدار سبعة عقود استشرى سرطان الحركة الإسلامية في داخل مفاصل الدولة معتمدا على استراتيجية خبيثة وهي الإفقار التبعي لقد استخدم الفقر كسلاح لتدجين إنسان الهامش وتدمير وعيه فبينما كان المركز يحتكر القلم والسيادة في الكلية الحربية والبعثات الخارجية في السعودية ومصر وأمريكا كان الهامش يدفع دفعا نحو السلاح كخيار وحيد للبقاء لقد صمموا نظاما تعليميا يحول ابن الهامش إلى محام يلهث خلف كفاف يومه أو طبيب بلا مستشفى أو جندي يواجه الموت نيابة عن نخبة لا تراه إلا أداة لتثبيت عروشها
إن الحقيقة الصادمة التي كشفها بحر الحقائق هي أن المركز لم يكن يخشى المعارضات المسلحة بل كان يستثمر فيها لضرب المكونات الاجتماعية وتحويل المطالب العادلة إلى صراعات قبلية وجهوية لقد سقطت الأقنعة عن أولئك الذين ادعوا النضال ثم ارتموا في أحضان نظام بورتوكيزان الذي قهر أهلهم لسبعين عاما ليثبتوا أنهم مجرد أجراء سياسيين في مسرحية النخبة
اليوم ونحن نشهد بزوغ فجر الجمهورية الثانية فإننا نتحدث عن عملية اقتلاع لهذا السرطان من جذوره إن حكومة الوحدة والسلام والمدعومة بتحالف التأسيس العريض ليست مجرد خيار سياسي بل هي ضرورة تاريخية لهدم أسوار الجمهورية الأولى التي بنيت على أنقاض حقوق المظلومين
الفقر الذي يسكن معسكرات النزوح اليوم ليس قدرا بل هو جريمة ارتكبتها نخبة سرقت موارد الذهب والزراعة لتبني بها قصورا في الخارج إن الجمهورية الثانية قادمة لتعيد صياغة العقد الاجتماعي حيث لا فضل لمركز على هامش وحيث يكون القلم والقرار متاحا للجميع لقد غرق المركز في بحر الحقائق ولن يعود السودان أبدا إلى حظيرة التبعية فخيمة اللاجئ اليوم هي المنصة التي ستبنى عليها دولة المواطنة الحقة




