
أبو عبدالله الراشدي
ما كتبه مكي المغربي ليس “تحليلاً استراتيجياً” ولا قراءة واقعية للتحولات الدولية، بل هو بيان دعائي فجّ لجماعات الهوس الديني التي دمّرت السودان، ومحاولة بائسة لغسل سجل إجرامي أسود لا يمكن محوه بالثرثرة عن الأقطاب والمراكز والنظام العالمي الجديد. مكي المغربي هنا لا يدافع عن “أمن عربي”، بل يدافع عن تنظيم متأسلم ثبت بالتجربة أنه أخطر تهديد للأمن السوداني والعربي معاً.
الإسلاميون الذين يروّج لهم مكي المغربي بوصفهم “ضرورة أمنية” هم أنفسهم من جاءوا إلى السلطة عبر انقلاب عسكري غادر، وشرعوا منذ اليوم الأول في تعذيب وقتل السودانيين، وابتدعوا بيوت الأشباح، وشرعنوا الاغتصاب كسلاح سياسي، واغتالوا الأطباء والمعلمين والطلاب والنقابيين، وحوّلوا الدولة إلى جهاز قمعي يخدم تنظيماً سرياً لا وطناً ولا شعباً. هذه ليست “أخطاء حكم”، بل جرائم دولة مكتملة الأركان.
الحديث عنهم كـ“رأسمال أمني وبشري” هو قمة الوقاحة السياسية. فأي أمن هذا الذي انتهى بتقسيم البلاد، وانفصال الجنوب، واندلاع حروب دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق؟ وأي استقرار أنتج ملايين اللاجئين والنازحين، ودولة منهارة، وجيشاً مخترقاً، ومليشيات متناسلة؟ الحقيقة التي يتجاهلها مكي المغربي عمداً أن الإسلاميين هم المصنع الأكبر للفوضى في السودان، وهم من فرّخوا المليشيات، وسلّحوا المجتمع، ودمروا عقيدة الجيش، ثم بكوا لاحقاً على “غياب الدولة”.
أما دعوته الصريحة للعودة إلى “ما قبل 2019” فهي دعوة لإعادة عقارب الساعة إلى أسوأ مراحل تاريخ السودان. ما قبل 2019 كان زمناً للفساد المنهجي، ونهب الموارد، وبيع الوطن قطعة قطعة، وتحويل الدين إلى أداة ابتزاز سياسي. لا يوجد “ضبط مصنع” مع مشروع قائم على الإقصاء والعنف واحتكار الحقيقة باسم الله.
يزعم مكي المغربي أن من يعادي الإسلاميين “غبي وساذج”. والحقيقة أن الغباء السياسي الحقيقي هو الاعتقاد بأن الشعوب يمكن أن تُحكم مجدداً بالجلاد نفسه، وأن الدم يمكن أن يتحول فجأة إلى ضمانة أمنية. من يعادي الإسلاميين في السودان لا يفعل ذلك بدافع أيديولوجي، بل بدافع التجربة، والذاكرة، والمقابر الجماعية، وأجساد الضحايا التي ما زالت شاهدة.
الأمن العربي لا يُبنى على التحالف مع جماعات متأسلمة فاشلة أخلاقياً وسياسياً، ولا على إعادة تدوير من تسبّبوا في أكبر انهيار دولتي في المنطقة. الأمن الحقيقي يمر عبر دول مدنية، وجيوش مهنية، وعدالة تحاسب المجرمين بدل مكافأتهم بالعودة إلى السلطة.
ما يطرحه مكي المغربي ليس حلاً، بل تهديد صريح: تهديد بإعادة إنتاج الكارثة، وشرعنة الإجرام، وفتح الباب لجولات جديدة من الدم. والتاريخ علّمنا درساً واحداً لا يقبل الجدل: جماعات الهوس الديني التي تحكم بالدبابة لا تصنع أمناً، بل تصنع الخراب… دائماً، وفي كل مكان.




