رأي

الحزب الجمهوري  … حين تكلّم العقل في كمبالا!!!

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

 الندوة: من الذكري إلى الفعل السياسي

في العاصمة اليوغندية كمبالا، لم يكن ما نظّمه الحزب الجمهوري – أمانة شرق أفريقيا – مجرد ندوة سياسية عابرة، ولا مناسبة خطابية للاحتفاء بذكرى، بل كان حدثًا فكريًا وسياسيًا مكثفًا، حضرته أطياف واسعة من السودانيين المهتمين بالشأن العام، من قوى سياسية، ونشطاء مجتمع مدني، ومثقفين، وفاعلين اجتماعيين.

الندوة جاءت في سياق بالغ التعقيد، حيث يعيش السودان واحدة من أخطر لحظاته التاريخية، وسط حرب مفتوحة، وانقسام سياسي، وتفكك اجتماعي، ما جعل النقاش يتجاوز حدود التحليل النظري إلى البحث الجاد عن مخارج واقعية.

وقد كان لافتًا أن تتخذ الندوة من الذكرى الحادية والأربعين لاستشهاد الأستاذ محمود محمد طه منطلقًا، لا باعتبارها لحظة رثاء، بل باعتبارها إعادة فتح للأسئلة التي قُتل الرجل بسببها: سؤال الدولة، وسؤال الحرية، وسؤال العلاقة بين الدين والسياسة، وسؤال الإنسان بوصفه غاية لا وسيلة.

التاريخ لا يتقدم بالسكوت عن الأخطاء، بل بمواجهتها بوعي وشجاعة.

 إستشهاد محمود محمد طه وبقاء الفكرة وصمودها

إحياء ذكرى الأستاذ محمود محمد طه في هذه اللحظة لم يكن محض صدفة. فالرجل الذي أُعدم بقرار سياسي مقنّع بالفتوى، ظل رمزًا لفكر تحرري عميق، جمع بين الإصلاح الديني والرؤية السياسية والبعد الإنساني.

في الندوة، جرى تقديم محمود محمد طه بوصفه مفكرًا من طراز فريد، سابقًا لعصره، حاول أن يؤسس لدولة أخلاقية، يكون فيها الدين محررًا للإنسان لا أداة لقهره، وتكون السياسة تعبيرًا عن الكرامة لا عن القسر.

وقد أجمعت المداخلات على أن اغتيال الأستاذ لم يكن استهدافًا لشخصه، بل كان اغتيالًا لمشروع فكري كامل، ظل النظام السياسي السوداني، بأشكاله المختلفة، يخشى مواجهته حتى اليوم. وهذا ما يجعل أفكاره حاضرة بقوة في نقاش الراهن السياسي، خصوصًا في ظل حرب تُدار باسم الدين، أو تحت غطاءه، مرة أخرى.

الأفكار التي تُخيف السلطة غالبًا ما تكون هي الطريق الوحيد لتحرير الإنسان.

الجيش : من نشأة ملتبسة إلى أزمة بنيوية

في مداخلته المركزية، قدّم الدكتور عمر القراي قراءة نقدية حادة لتاريخ الجيش السوداني، معتبرًا أنه لم يُنشأ في الأساس بوصفه جيشًا وطنيًا لحماية الشعب، بل كأداة استعمارية لحماية المصالح الخارجية. وبعد الاستقلال، لم تُخضع هذه المؤسسة لإصلاح حقيقي يعيد تعريف دورها وعقيدتها القتالية وعلاقتها بالمجتمع.

وأشار القراي إلى أن هذه النشأة المختلة جعلت الجيش عرضة للاختراق، ثم للاختطاف الكامل، خصوصًا بعد انقلاب الإسلامويين، حيث تحوّل – بحسب توصيفه – إلى جيش يخدم مشروع جماعة الهوس الديني، لا مشروع الدولة السودانية.

هذا المسار، في رأيه، لم يؤدِّ فقط إلى تسييس المؤسسة العسكرية، بل إلى تحويلها إلى طرف مباشر في الصراع الاجتماعي والسياسي، وهو ما يفسر تورطها في قتل السودانيين، وخوض حروب داخلية وخارجية لا تخدم مصالح البلاد.

وقد اعتبر القراي أن حرب الخامس عشر من أبريل ليست انفجارًا مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لتراكم طويل من العبث المؤسسي، وغياب الإصلاح، واستمرار عسكرة الدولة.

حين تُبنى القوة بلا أخلاق، تتحول إلى خطر على من أنشأها.

 القوى المدنية: ضعف التنظيم لا غياب الفكرة

لم يكتفِ القراي بنقد المؤسسة العسكرية، بل وجّه نقدًا واضحًا للقوى المدنية والسياسية، واصفًا مواقفها من الحرب بالمرتبكة، رغم وضوح الكارثة. وأشار إلى مفارقة لافتة: تعدد التحالفات والمنصات السياسية، مثل صمود وتأسيس وغيرها، في مقابل تطابق كبير في الأهداف والشعارات.

وتساءل القراي بوضوح: كيف يمكن لقوى تتفق على إنهاء الحرب، والتحول المدني الديمقراطي، وبناء الدولة، أن تعمل كلٌ في مسار منفصل؟ مؤكّدًا أن هذا التشظي لا يخدم سوى استمرار الحرب، ويمنح القوى المسلحة تفوقًا سياسيًا وأخلاقيًا زائفًا.

في هذا السياق، دعا إلى ضرورة خلق أرضية مشتركة، أو اتفاق حد أدنى، حول قضايا السلام والتحول الديمقراطي، معتبرًا أن توحيد الجبهة المدنية ليس ترفًا سياسيًا، بل شرطًا وجوديًا لبقاء الدولة نفسها.

الاتفاق على الحد الأدنى هو بداية النجاة حين يصبح الاختلاف رفاهية مدمرة.

الدعم السريع: قراءة في التحولات لا في الشعارات

تناول القراي قوات الدعم السريع بطرح وصفه كثيرون بالجريء وغير التقليدي. فقد أقرّ بأن هذه القوات نشأت كصنيعة إسلامية، ووُظفت في مراحل سابقة ضد الشعب السوداني، لكنه شدد في الوقت ذاته على أهمية قراءة التحولات السياسية لا الوقوف عند الجذور فقط.

وأشار إلى أن قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو “حميدتي”، أبدى  بحسب تقديره قدرًا عاليًا من الصدق والمرونة السياسية، وأقرّ بالأخطاء التاريخية، واعتذر عن المشاركة في انقلاب أكتوبر، ولا يزال يؤكد على ضرورة التحول المدني الديمقراطي.

هذا الطرح لم يُقدَّم بوصفه تبرئة، بل بوصفه دعوة للتعامل مع الواقع السياسي كما هو، لا كما نرغب أن يكون، ولفتح مسارات جديدة لوقف الحرب بدلًا من إعادة تدوير خطاب الإقصاء.

السياسة ليست محكمة أخلاقية، لكنها تفقد معناها إن تجاهلت الحقيقة.

 الإقليم، الهوية، وخطر التقسيم

في محور بالغ الحساسية، وجّه القراي انتقادات مباشرة للدور المصري، معتبرًا أن القاهرة تسعى للهيمنة على إقليم الشمال أو ما يُعرف بمثلث حمدي، دون اكتراث بمصير بقية السودان. كما حذّر من سياسات حكومة بورتسودان، التي رأى أنها تمارس إقصاءً جغرافيًا وثقافيًا واضحًا، خصوصًا تجاه غرب السودان.

وأشار إلى أن ممارسات مثل حرمان مواطنين من حقوقهم الجغرافية، وسن قوانين قائمة على التنميط الاجتماعي كقانون “الوجوه الغريبة”، تمثل مؤشرات خطيرة على توجه رسمي لتقسيم البلاد على أسس الهوية الثقافية.

وربط القراي ذلك بتجربته في وزارة التربية والتعليم، موضحًا أن تغيير المناهج خلال فترة الثورة كان يهدف إلى التعبير عن السودان بكل أقاليمه وثقافاته، عبر إدخال أسماء ورموز من الشرق والغرب والوسط، لبناء وعي وطني جامع، إلا أن هذه المحاولة وُوجهت برفض شديد.

الأمم التي تخاف تنوعها، تزرع بذور انقسامها بيديها.

 الجمهوريون وصوت الوجدان السليم

ما ميّز ندوة الحزب الجمهوري في كمبالا لم يكن فقط عمق الطرح، بل اتساقه مع الوجدان السليم، ذلك الوجدان الذي سئم التبرير، وملّ لغة الكراهية، وبدأ يبحث عن خطاب يعالج الجذور بدل الاكتفاء بلعن الفروع.

الحزب الجمهوري، عبر هذه الندوة، قدّم أطروحات بدت أقرب للعقل العام السوداني المتعب: لا تبرئ العنف، لا تمجّد السلاح، ولا تهادن الاستبداد، لكنها في الوقت ذاته لا تهرب من الأسئلة الصعبة.

وقد انتهت الندوة إلى إجماع واسع بين المتداخلين على أن توحيد الجبهة المدنية أصبح ضرورة تاريخية، لا خيارًا سياسيًا. وأن السودان لا يحتاج مزيدًا من الشعارات، بل شجاعة فكرية، وقدرة على تجاوز الأحقاد، وصياغة مشروع وطني جامع، يعيد للدولة معناها، وللسياسة أخلاقها، وللإنسان مكانته.

حين يتقدم العقل، تتراجع الغرائز… وتبدأ الأوطان في التعافي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!