رأي

الحركة الإسلامية وعملية «قلب كلب» للإنسان السوداني

محمد شرف الدين

 

محمد شرف الدين

تُعد رواية «قلب كلب» للكاتب السوفيتي الساخر ميخائيل بولغاكوف واحدة من أشهر الأعمال الرمزية في الأدب الروسي. تدور أحداثها حول البروفيسور براوبريجنسكي، الذي يجري تجربة علمية لتحويل كلبه «شاريك» إلى إنسان عبر زرع غدة نخامية بشرية في دماغه. غير أن الكائن الناتج لم يكن إنسانًا سويًا، بل مسخًا فظًّا، منحط السلوك، عديم القيم. وقد جاءت الرواية سخريةً لاذعة من فشل المشروع السوفيتي في صناعة «الإنسان الجديد». كُتبت عام 1925، ومُنعت من النشر حتى عام 1987، قبل أن تكتسب شهرة واسعة عقب تحويلها إلى فيلم سينمائي ساخر عام 1988، جسّد تلك الحبكة القاتمة بوضوح.

وعلى نحوٍ يكاد يكون نسخةً واقعية من رمزية بولغاكوف، خاضت الحركة الإسلامية في السودان تجربتها الخاصة عبر ما سمّته «المشروع الحضاري»، ساعيةً إلى إعادة تشكيل الإنسان السوداني وإنتاج «زول جديد». غير أن تجربة الإنقاذ، مثل تجربة البروفيسور، انتهت إلى فشل ذريع، وأفرزت كائنات مشوّهة في السلوك والقيم: غريبي الأطوار، متعجرفين، يمتلكون جرأةً مطلقة على كل ما هو اجتماعي وديني، وعلى الموروث السوداني الصلد.

قومٌ يعربدون في الملذات تحت فقهٍ مُلفّق يُسمّى «إظهار نعمة الله»، بلا وازعٍ أخلاقي ولا كوابح دينية، لا يترددون في إزهاق أرواح المواطنين تثبيتًا لسلطة يتوهمون أنها تفويض إلهي. تمتد أيديهم بسخاء لاختلاس أموال الشعب تحت ذرائع «التجنيب» و«الستر»، وقد استنّوا لأنفسهم شريعةً خاصة تُحلّل لهم الحرام وتُقنّع الفساد بالدين.

لقد أنتجت هذه التجربة الفاشلة «زولًا جديدًا» بلا ضمير ولا أخلاق ولا خشية، كائنًا متضخم الأنا، منغلقًا على ذاته، أبى واستكبر أن يشارك غيره من أبناء الوطن في السلطة أو الجاه. أطفأ نور الآخرين، واحتكر الوطن لنفسه، حتى بلغ به الغرور أن يصرّح قائلًا: «ما في أرجل مننا في السودان».

وكل هذه الشواهد تؤكد أن تجربة بولغاكوف، رمز فشل الشيوعية في صناعة إنسان بمفاهيم قسرية جديدة، انتهت بانهيار الاتحاد السوفيتي بعد سبعين عامًا، لتعود الشخصية الروسية إلى مجراها الطبيعي بعد عقود من القمع والإهانة. وها هي تجربة الإنقاذ تسير على الدرب ذاته، تفشل في خلق «زول جديد» مصطنع، وسيعود الإنسان السوداني إلى سماحته وفطرته متى ما اقتُلعت زمرة الكيزان من أرض السودان اقتلاعًا، كما تنبأ بذلك الأستاذ محمود محمد طه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!