رأي

جمعتنا الحرب! واكتشفنا أن لنا أهلاً كُرما

فاطمة لقاوة

 

فاطمة لقاوة

في خضم الحرب التي فرّقت الأسر، وأثقلت القلوب بالفقد والحنين، تأتي لحظات إستثنائية تعيد للإنسان إيمانه بأن الخير لا يزال حياً، وأن المحبة أقوى من كل ما صنعته البنادق، فقد تهدم الحرب البيوت، لكنها تعجز عن هدم القيم التي تربى عليها أهل السودان، وفي مقدمتها الكرم، والتكافل، وصلة الرحم.

هذا ما شعرت به وأنا أشارك في الدعوة الأسرية الكريمة التي أقامها الشاب الخلوق مبارك القوني مهدي، والتي جمعت أبناء المسيرية المقيمين في دارفور بإخوتهم القادمين من غرب كردفان.

لم يكن اللقاء مجرد مأدبة غداء، بل كان مساحة دافئة إلتقت فيها القلوب قبل الأيدي، وإستعادت فيها الأرواح شيئاً من دفء الأسرة الذي سلبته الحرب.

خلال اللقاء، وجدت نفسي أعبر عما إختلج في صدري، فقلت إن الحرب، على قسوتها وآلامها، فعلت أمراً لم نكن نتوقعه؛ فقد جمعت شتاتنا، وأعادتنا لإكتشاف جذورنا وإمتدادنا الإجتماعي في دارفور.

لقد أدركنا أننا لسنا وحدنا، وأن لنا هنا أهلاً وصِلات قُربى وظهوراً نستند إليها في الشدائد، وأن روابط الدم والمحبة أقوى من المسافات و قِسوة الظروف.

تلك الكلمات نابعة من تجربة شعورية صادقة، لأن ما رأيته في وجوه الحاضرين من ترحاب ومحبة وإحتضان أكد لي أن دارفور لم تكن يوماً مجرد مكان، بل كانت دائماً بيتاً كبيراً يسع الجميع، وأن أهلها يحملون الكرم في قلوبهم قبل موائدهم.

لقد منحنا هذا اللقاء شعوراً عميقاً بالفخر بإنتمائنا الممتد بين دارفور وكردفان، وأكد أن التواصل بين الأهل والزيارات المتبادلة ليست مناسبات إجتماعية عادية، بل هي جسور تحفظ النسيج الإجتماعي، وتمنح الأجيال القادمة نموذجاً عملياً للتعايش والتراحم.

من هنا، فإنني أدعو إلى أن تتكرر مثل هذه المبادرات في كاس، ونيالا، والضعين، والبان جديد، ومفوم، وفي كل مدن دارفور وكردفان، حتى تظل البيوت مفتوحة، والقلوب عامرة بالمحبة، وتبقى الروابط بين مكونات دارفور و كردفان أكثر قوة وصلابة.

كل الشكر والتقدير للشاب مبارك القوني مهدي على هذه المبادرة الكريمة التي جمعت الشمل، وأعادت إلينا شعور الأسرة الواحدة.

التحية لكل أهل دارفور، ولكل المسيرية، ولكل سوداني يؤمن بأن المحبة والتكافل هما الطريق الحقيقي لعبور هذه المرحلة الصعبة.

لقد علمتني هذه الحرب درساً لن أنساه: قد تفرقنا الجغرافيا، لكن القلوب التي يجمعها الكرم والأصالة لا تعرف الفراق.

ولنا عودة بإذن الله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!