انهيار النظام الدولي وبداية حقبة نظام شريعة الغاب: شرعية الأنظمة كطوق نجاة
السفير عادل ابراهيم مصطفي

السفير عادل ابراهيم مصطفي
يدخل العالم طورًا جديدًا من العلاقات الدولية، تتراجع فيه القواعد القانونية التي حكمت النظام العالمي منذ نهاية الحرب الباردة، ويصعد فيه منطق «القوي يأكل الضعيف». فاختطاف الرئيس الفنزويلي من قِبل واشنطن قبل أيام قليلة، وصدور تهديدات بضمّ غرينلاند، وتوجيه إنذارات مباشرة إلى كلٍّ من كولومبيا والمكسيك وكوبا وإيران، كلّها مشاهد غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة. غير أنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في هذه الأفعال وحدها، بل في محاولة تبريرها من قِبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوصفها «خيارات سياسية» تُعلَن بلا حرج، وتُغلَّف بخطاب أخلاقي زائف؛ ما يعني انتقال العالم من نظام تحكمه القواعد القانونية ولو شكليًا إلى نظام تحكمه قوانين القوة المجرّدة.
وعليه، يمكن القول إن المشهد الدولي بات أقرب إلى غابة مفتوحة، يأكل القوي فيها الضعيف، ويفرض من يملك المال والسلاح إرادته على من لا يملكهما، بينما تقف المؤسسات الدولية متفرّجة وعاجزة، أو متواطئة.
على ضوء هذا التحوّل المرعب في العلاقات الدولية، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: هل يتيح هذا الواقع الدفاعَ عن أنظمة أو قادة خانوا أوطانهم، ووقفوا عائقًا أمام تمتع شعوبهم بالحرية والسلام والعدالة، ونهبوا ثرواتها، وفرّطوا في أمنها واستقرارها، وشرّدوا أهلها في المنافي!؟ هل يمكن — أخلاقيًا وسياسيًا — تقديم مثل هؤلاء بوصفهم ضحايا للنظام الدولي الجديد؟
السودان الذي حلم به السودانيون في ثورة ديسمبر لم يكن مجرّد انتقال شكلي للسلطة، بل مشروعًا لإعادة تأسيس الدولة على أساس المواطنة، والشرعية الشعبية، والجيش المهني الخاضع للسلطة المدنية. غير أنّ هذا المشروع جرت محاولة اغتياله بالانقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021، ثم دُفن تحت أنقاض حرب عبثية أشعلها صراع على السلطة داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
في عالمٍ تتراجع فيه الحماية القانونية الدولية، تصبح الدولة المختطفة من قِبل العسكر دولةً مكشوفة. فلا قيمة للحديث عن السيادة بينما القرار الوطني مُصادَر، والموارد منهوبة، والمؤسسات مفكّكة، والإرادة الشعبية مُقصاة بالقوة. وهكذا يتحوّل البلد من كيان سياسي إلى ساحة مفتوحة للتدخل، ومن دولةٍ ذات حقوق إلى ملفٍّ يُدار من الخارج.
السودان اليوم ليس ضحية النظام الدولي الجديد فحسب، بل ضحية تحالف الاستبداد والعسكرة. فالحرب التي دمّرت المدن، وشرّدت الملايين، ومزّقت النسيج الاجتماعي، لم تُضعِف السودان عسكريًا فقط، بل نزعت عنه أي غطاء أخلاقي أو سياسي يمكن أن يحميه في عالم لا يحترم إلا من يحترم نفسه أولًا.
وليس هذا المسار فريدًا. فقد سبقت السودانَ دولٌ دفعت الثمن ذاته. في ليبيا، قاد تفكيك الدولة وتحالف السلاح مع الخارج إلى تحويل البلد إلى ساحة نفوذ دولي بلا سيادة فعلية. وفي اليمن، أدّى انهيار الدولة وعسكرة السياسة إلى حرب طويلة حوّلت البلاد إلى قضية إنسانية تُدار من الخارج، بينما تلاشى القرار الوطني. أمّا الصومال، فقد صار نموذجًا مبكرًا لكيفية تحوّل غياب الدولة إلى مبرّر دائم للتدخل تحت عناوين الأمن ومكافحة الإرهاب.
القاسم المشترك بين هذه التجارب ليس «مؤامرة دولية» مجرّدة، بل فشل داخلي عميق: غياب الشرعية، وتفكّك المؤسسات، وإقصاء الشعوب من تقرير مصيرها. فالنظام الدولي المتوحّش لا يصنع الانهيار من الصفر، بل يستثمر فيه، ويحوّل أخطاء النخب الحاكمة إلى فرص للهيمنة.
من هذا المنظور، يصعب الدفاع عن الفريق عبد الفتاح البرهان أو غيره من قادة الانقلاب، حتى لو تعرّضوا لضغوط أو استهداف خارجي. فهؤلاء لم يكونوا سدًّا في وجه التدخل، بل الجسر الذي عبر منه. ومن يصادر الشرعية في الداخل، لا يستطيع المطالبة بالحماية في الخارج.
إنّ سودان الثورة يجب ألّا يراهن على عطف القوى الكبرى، ولا على توازنات دولية متقلّبة، بل على إعادة بناء الدولة من الداخل: سلطة مدنية كاملة، وجيش وطني مهني واحد، وعقد اجتماعي جديد، وسيادة تستمد قوتها من الشعب لا من فوهة البندقية.
في عالم بلا قواعد قانونية، لا تنجو الدول بالعسكر ولا بالشعارات، بل بشرعية تجعل كلفة ابتلاعها عالية. وتلك هي معركة السودان الحقيقية: ليست فقط ضد نظام دولي متوحّش، بل ضد كل من جعل السودان هشًّا، قابلًا للكسر، ومتاحًا للافتراس.
وختاماً، فإنّ أخطر ما في النظام الدولي الجديد ليس تغوّل القوة وحده، بل استعداد نخب محلية لتسويق فشلها واستبدادها بوصفه «دفاعًا عن السيادة». والسودان لن يخرج من دائرة الاستباحة ما لم يستعيد شرعيته من الداخل، ويعيد تعريف الدولة باعتبارها عقدًا بين الشعب والسلطة، لا غنيمة بيد العسكر. عندها فقط تصبح السيادة حقيقةً لا شعارًا، وتغدو البلاد عصيّة على الافتراس مهما تغيّرت موازين القوة.




