التَّضْلِيلُ السِّياسِيُّ فِي السُّودَانِ: كَيْفَ تُدارُ حَرْبُ السرديات عَلَى وَعْيِ السُّودانِيِّين؟
دكتور خالد عبيد .. لندن

دكتور خالد عبيد .. لندن
لم تعد الحرب في السودان صراعاً عسكرياً فقط بين أطراف مسلحة، بل تحوّلت إلى معركة مفتوحة على وعي المجتمع نفسه. فبالتوازي مع الرصاص، تُدار حرب أخرى أكثر هدوءاً وأعمق أثراً: حرب السرديات، حيث يجري التنافس على تعريف ما يحدث، ومن هو الشرعي، ومن هو الخاسر، ومن يجب عليه أن يستسلم.
في هذا السياق، لم يعد التضليل مجرد أخبار كاذبة، بل أصبح أداة سياسية لإعادة تشكيل المواقف. تُروَّج سرديات مثل أن “المعركة انتهت”، أو أن “السلطة استعادت السيطرة”، أو أن “لا جدوى من المقاومة”، او “لا يوجد متنصر في هذه الحرب “. ليس بوصفها تحليلات، بل كحقائق نهائية تهدف إلى إنتاج شعور عام بالعجز، وإقناع الناس بقبول واقع لم يختاروه. وهذا ما فعلته المخابرات المصرية اذ قامت بصناعة وتلميع شخصيات في الأصل هم اسلاميين أضفت عليهم بعض من القوميه الزائفه لخدمة هذه الاغراض.
الأخطر أن هذا التضليل غالباً ما يُقدَّم بلغة عقلانية وهادئة، ما يمنحه مصداقية زائفة. تُطرح قرارات شديدة الخطورة بوصفها “براغماتية” و”واقعية”، بينما هي عملياً تنقل كلفة المواجهة من الأطراف القوية إلى المجتمع الأعزل. هكذا تتحول النصيحة السياسية إلى أداة لإدارة المخاطر لصالح الأقوى وعلى حساب الأضعف.
ولا يمكن فهم ما يجري بمعزل عن البيئة الإقليمية. السودان ليس جزيرة معزولة، بل ساحة تتقاطع فيها المصالح مثل مصر التي تبحث عن الموارد. فتدخلها السافر في الشأن السوداني يتخذ عدة وجوه منه ماهو مباشراً أو عسكرياً؛ لكن كثير منه يتم عبر دعم روايات بعينها، وتضخيم أصوات محددة، وتهميش أخرى، بما يجعل بعض الخطابات المحلية امتداداً ناعماً لأجنداتها ، مع سبق الإصرار والترصد.
في هذا المناخ تظهر شخصيات تلعب دور “الفاعل الوظيفي”: تتحدث بلغة وطنية أو تحليلية، لكنها تؤدي وظيفة سياسية لا تخدم المصلحة العامة بقدر ما تخدم إعادة إنتاج ميزان القوة القائم. خطورة هذا النمط ليست في اختلاف الرأي، بل في ازدواجية الخطاب والوظيفة.
القضية هنا ليست حرية التعبير، بل المسؤولية الأخلاقية للخطاب العام. عندما يساهم خطاب ما في شرعنة العنف، أو تبرير القمع، أو إضعاف قدرة المجتمع على الدفاع عن نفسه، فإنه يصبح جزءاً من المشكلة، لا مجرد مراقب لها.
في السودان اليوم، المعركة ليست فقط على من يسيطر على الأرض، بل على من يملك حق تعريف الواقع. ومن يربح هذه المعركة الرمزية يربح القدرة على تحديد ما هو مقبول، وما هو ممكن، وما هو مستحيل. لذلك فإن مقاومة التضليل ليست ترفاً فكرياً، بل شرط أساسي لأي أفق للخروج من هذه الكارثة.




