رأي

سودان متعدد: نحو دولة عادلة وشاملة

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب

بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية، وجد السودان نفسه محاصرًا بمشروع سياسي أحادي، سعى إلى فرض هوية محددة على مجتمع غني بالتنوع الإثني والديني والثقافي. هذا المشروع، الذي ارتكزت عليه النخب المركزية، لم يكن مجرد خيار ثقافي، بل أداة لإقصاء أطراف واسعة من المجتمع، وتحويل التعدد إلى مصدر صراع مستمر.

لمواجهة هذه المعضلة، أصبح من الضروري اعتماد قطيعة واضحة مع المشروع الأحادي، والاعتراف التام بالتعدد الإثني والديني والثقافي. إن دولة السودان الجديدة لا يمكن أن تستمر إلا إذا كانت المواطنة متساوية، حيث يحصل كل فرد على حقوقه السياسية والاجتماعية والاقتصادية بغض النظر عن أصله أو دينه أو لغته. بدون هذا الأساس، ستظل التوترات متواصلة، وسيستمر إقصاء فئات كبيرة من المجتمع، ما يعيد إنتاج الحروب الداخلية والصراعات المستمرة.

التوزيع العادل للسلطة والثروة يعد حجر الزاوية لأي مشروع وطني ناجح. فالسودان يمتلك موارد طبيعية وبشرية هائلة، لكنه يعاني من تفاوت اقتصادي واجتماعي بين المركز والأطراف. هذه الفجوة لم تكن وليدة الصدفة، بل نتيجة سياسات متعمدة لإبقاء بعض المناطق خارج دائرة القرار. لذلك، يجب تبني سياسات إصلاحية قائمة على العدالة الاجتماعية، تضمن لكل مواطن حقه في التنمية والرخاء بعيدًا عن المحسوبية والزبونية.

كما ينبغي أن يكون هذا المشروع الوطني من صميم الداخل السوداني، من قوى وطنية ملتزمة بمصلحة البلاد العليا، لا أدوات لأجندات خارجية. القوى الوطنية الصادقة هي وحدها القادرة على صياغة خطة شاملة لمعالجة جذور الأزمة، وبناء دولة مستقرة تحمي حقوق الجميع وتضمن مشاركتهم في صياغة المستقبل.

يستلزم إنقاذ السودان تجاوز خطاب الكراهية والانقسامات، ومراجعة المناهج التعليمية والثقافية التي عززت التصورات الأحادية. فالتاريخ السوداني غني بالتجارب المتنوعة، واحتضان هذا التنوع يجب أن يكون جزءًا من الهوية الوطنية الجديدة، التي تحمي حقوق المواطنين وتضمن لهم المشاركة الفاعلة في بناء الدولة.

باختصار، لا يمكن إنقاذ السودان عبر حلول مؤقتة أو ترقيعية. الطريق نحو المستقبل يبدأ بإرساء مشروع وطني شامل يقوم على العدالة والمساواة والحرية، ويعطي لكل السودانيين الحق في حياة كريمة، ويضمن أمنهم واستقرارهم، ويعزز التنمية المستدامة في مجتمع متماسك ومتعدد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!