رأي

البحار الجنوبية: ساحة النفوذ الجديد وقواعد اللعبة العالمية

إسماعيل هجانة

 

إسماعيل هجانة 

بينما تتجه الأنظار شمالًا نحو صخب ملاعب أمم أفريقيا في المغرب، كان مشهد آخر يُرسم بهدوء في الجنوب، بعيدًا عن الأضواء والضجيج الإعلامي. انطلقت في 11 يناير بجنوب أفريقيا تدريبات بحرية مكثفة وتستمر حتى 16 يناير، تحت شعار التنسيق العسكري وبناء النفوذ البحري القادم، في مؤشّر واضح على أن البحار أصبحت المحور الاستراتيجي المقبل في موازين القوى العالمية.

تشارك في هذه التدريبات قوى كبرى مثل روسيا، الصين، إيران، البرازيل، إندونيسيا، وإثيوبيا، في ما يبدو كسيناريو عالمي لصراع النفوذ، حيث يحاول كل طرف ترسيخ موطئ قدمه في المحيطات والممرات البحرية التي ستحدد شكل النظام الدولي في المستقبل. من ينجح اليوم في تعزيز وجوده البحري، سيحسم كثيرًا من موازين القوة غدًا، ومن يتباطأ فسيجد نفسه خارج اللعبة.

الرسالة من هذه المناورات تتجاوز التدريبات العسكرية البحتة. إنها إعلان تحوّل عالمي، مفاده أن النظام الدولي يعاد ترتيبه من الجنوب، وأن أدوات القوة تُستثمر بصمت لكنها تترك أثرًا زلزاليًا على السياسات والإقليم. من يغفل عن هذا التغير فسيُصدم بالواقع القادم.

وفي هذا السياق، برز تصريح صيني صريح بأن إثيوبيا مرشحة لقيادة أفريقيا في السنوات المقبلة، وهو ليس مجاملة دبلوماسية بل إعلان اصطفاف استراتيجي ورهان على دولة تبني تحالفاتها بعقل بارد ورؤية بعيدة المدى. إثيوبيا تتقدم بحذر لكنها بثبات، تعمّق شراكاتها مع القوى الكبرى وتعيد تعريف موقعها الإقليمي، بينما تظل بعض الدول الأخرى مكتوفة الأيدي، تعيد تدوير خطابها القديم وتنتظر الأحداث.

الملعب تغيّر وقواعد اللعبة تُعاد كتابتها. من اعتاد الهيمنة بلا جهد سيكتشف أن القادم أثقل، وأن أبواب النفوذ ستُغلق أمام المتباطئين. التدريبات البحرية في جنوب أفريقيا ليست مجرد مناورة، بل مؤشر على تحول عالمي صامت لكنه مؤثر، يحذر كل من يعتقد أن القوة التقليدية وحدها تكفي، ويؤكد أن من يخطط اليوم بعقلانية واستراتيجية سيقود الغد.

إسماعيل هجانة

الحكاية الأعمق من الحرب 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!