رأي

السودان: التنوع الفضيلة المُهدرة

نجم الدين دريسة

رغم ما مرّت به البلاد من أهوال الحروب وويلات الانقسامات السياسية والعرقية والدينية، يظل التنوع في السودان – إثنيًا وثقافيًا ودينيًا وجغرافيًا – فضيلة مهدرة، وفرصة ضائعة، كان يمكن أن تصنع من السودان واحدًا من أكثر الأوطان غنىً وتماسكًا واستقرارًا. غير أن سوء إدارة هذا التنوع، بل وإنكاره أو التقليل من شأنه، كان من أهم الأسباب التي فجّرت الأزمات السياسية والاجتماعية، وأعاقت بناء الدولة الوطنية الحديثة، وجعلت من السودان بلدًا ممزقًا بالحروب، عاجزًا عن التأسيس لمسار تنموي مستقر وشامل.

 

إن جوهر المعضلة السودانية لا يكمن في التعدد، بل في إنكار التعدد. فمنذ لحظة الاستقلال في عام 1956، كانت السلطة محصورة في يد نخبة مركزية ضيقة، ورثت بنية الدولة الاستعمارية وأسلمت قيادها لخطاب أحادي قائم على تهميش الآخر، وإنكار وجوده، والتقليل من مساهماته الثقافية والسياسية والاقتصادية. وقد عبّر الدكتور منصور خالد بدقة عن هذه الحالة في كتابه “جنوب السودان في المخيلة العربية: الصورة الزائفة والقمع التاريخي”. كما أشار الدكتور فرانسيس دينق مرارًا إلى أن جذور الأزمة السودانية تعود إلى إرث استعماري أرسى دعائم دولة قابضة فشلت في إدارة التنوع، وتعاملت مع الاختلاف بوصفه تهديدًا، لا ثراءً.

 

لقد رُفِعت شعارات جوفاء باسم “الوحدة الوطنية” بينما كانت أجهزة الدولة تمارس الإقصاء المنظم ضد جماعات بأكملها، مما أدى إلى شعور متفاقم بالغبن، ومراكمة لعداوات تاريخية لا تزال ماثلة. ومما زاد الطين بلة أن السلطة المركزية استخدمت الدين والعرق كأدوات للضبط السياسي، لا كقيمة مجتمعية جامعة، وهو ما أسهم في تفجير حرب الجنوب، ثم حروب دارفور، والنيل الأزرق، وجنوب كردفان، وغيرها من أقاليم السودان المختلفة.

 

إن الحرب التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل 2023، رغم أنها تبدو ظاهريًا صراعًا على السلطة بين مركزين عسكريين، إلا أنها في جوهرها استمرار لصراع أعمق وأوسع حول طبيعة الدولة، وهوية الحكم، ومكانة الهامش، وحق الشعوب السودانية في التمثيل العادل. لقد حاول الإعلام الرسمي، الذي يخدم سردية الدولة المركزية، تصويرها كحرب على “التمرد”، وتجاهل تمامًا السياقات التاريخية والاجتماعية التي أدت إلى الانفجار.

 

كذلك، لم يكن الهامش السوداني – الجغرافي والاجتماعي والثقافي – متمردًا بطبيعته، بل كان مقموعًا ومهملًا. وكان الاحتقان الناجم عن ذلك التهميش يتفاقم كلما تجاهلت الدولة مطالب العدالة والمساواة، وكلما أعادت إنتاج نظامها المركزي الإقصائي عبر حكومات متعاقبة – مدنية وعسكرية – استباحت موارد الأطراف، وقمعت صوتها، وأبقت على الفضاء السياسي مقفولًا أمام التنوع الحقيقي.

 

وفي مقابل هذا الإخفاق السوداني، نجد أن دولًا كثيرة حول العالم استطاعت أن تبني أوطانًا متماسكة من خلال احترام تنوع شعوبها. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، ورغم الإرث العنصري والتمييز التاريخي، تم تطوير نظام سياسي ودستوري يُشرك كل الأعراق والأديان، ويمنحهم فرصًا متكافئة للمشاركة في الحكم والإنتاج. ولذلك التنوع هناك ليس فقط مقبولًا، بل أصبح مصدر فخر قومي، وتتباهى به الجامعات والمؤسسات الثقافية والسياسية بوصفه دليلاً على النضج الديمقراطي.

 

وفي الهند، حيث يعيش أكثر من مليار إنسان ينتمون إلى ديانات ومذاهب وعرقيات متعددة، تم تبني نظام فيدرالي يمكّن الأقاليم من التعبير عن خصوصيتها، ويضمن لها قدراً من الاستقلال الثقافي واللغوي والإداري، مع التزام بوحدة البلاد في الإطار السياسي العام. أما جنوب أفريقيا، فهي مثال بارز على الانتقال من دولة الفصل العنصري إلى دولة المواطنة المتساوية، حيث تم تفكيك بنية الدولة القمعية عبر دستور جديد يعترف بالتعدد ويكفل الحقوق.

 

لهذا، لا مخرج من الأزمة السودانية الراهنة إلا بإعادة بناء الدولة على أسس جديدة تعترف بالتنوع، وتديره بمسؤولية وعدالة. ولعل أولى الخطوات في هذا الاتجاه هي الاعتراف بأن الدولة السودانية القديمة قد فشلت في مهامها، ويجب تفكيك بنيتها المركزية، وتحرير الفضاء العام من قبضة القلة، ووضع دستور جديد تشارك في صياغته كل المكونات السودانية، دون استثناء.

 

وفي هذا الصدد، ينبغي استبدال العقلية السلطوية المركزية بعقلية تشاركية تقوم على الحكم المحلي والفيدرالية والعدالة في توزيع الثروة والسلطة. ولا بد من الاعتراف الرسمي بالتعدد الثقافي واللغوي والديني، ليس كمجرد تزيين للخطاب السياسي، بل كمرتكز لبناء السياسات العامة والمناهج التعليمية وأجهزة الحكم. إن التنوع لا يصنع النزاعات، بل غياب العدالة هو ما يفعل ذلك. والسودان ليس بلدًا فقيرًا أو منقسمًا بطبيعته، بل هو وطن غني بموارده وإنسانه، وكان يمكن له أن يكون نموذجًا أفريقيًا ناضجًا لو أُحسن إدارة تنوعه، لا قمعه.

 

إن بناء وطن جديد يتطلب شجاعة سياسية وأخلاقية للاعتراف بالأخطاء، وتواضعًا في الإنصات لصوت الآخرين، ورؤية نابعة من عمق الواقع السوداني، لا من أوهام المركز. لقد آن الأوان لأن تتحول الفضيلة المهدرة – أي التنوع – إلى مشروع وطني جامع، يعيد للسودان مكانته، ويضمن لأبنائه حقهم في العيش الكريم والمشاركة العادلة.

 

“لن يبقى السودان على قيد الحياة كدولة، ما لم يصبح لكل السودانيين.”

د.فرانسيس دينق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!