
سيبويه يوسف
منذ أن أعلنت واشنطن تصنيف الإخوان المسلمين في ثلاث دول عربية «مصر، الأردن، لبنان» مجموعات إرهابية، في سياسة تنتهجها لمكافحة الإرهاب وتجفيف مصادر تمويله، كان من المفاجئ ألّا تكون مجموعة الإخوان المسلمين في السودان ضمن تلك القائمة، رغم تاريخها العريق في الإرهاب، وخاصة أن السودان ظل في قائمة الدول الراعية للإرهاب لأكثر من عقدين من الزمان، بفضل الأعمال الإرهابية التي قامت بها، بدءًا من عمليات تفجير السفارتين الأمريكيتين في دار السلام ونيروبي، وعملية المدمرة كول، واحتضان زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وحشد قيادات الحركات الإسلامية من كل أنحاء العالم تحت راية المؤتمر الإسلامي العالمي.
والعالم يعلم أن جماعة الإخوان المسلمين، عندما تولت الأمور في السودان، بدأت في تشكيل الخارطة السياسية في الإقليم بإعادة المشهد في دولتي تشاد وإثيوبيا، بل ذهبت أبعد من ذلك بتدبير محاولة اغتيال الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك في أديس أبابا، بجانب احتضان جماعة الإخوان المسلمين المعارضة للنظام المصري، وتمويل تنظيم حماس الفلسطينية، وإصدار الآلاف من وثائق السفر السودانية لعناصر التنظيم العالمي للإخوان المسلمين
منذ أن أعلنت إدارة ترامب عن سعيها لمحاربة الإرهاب باعتباره مهددًا للسلم والأمن الدوليين، ويرتبط ذلك بتشخيص الدور الذي تلعبه الحركة الإسلامية في تزكية حرب السودان وعرقلة كل جهود السلام، والمشاركة الفعلية في الحرب بعد إحكام قبضتها على مفاصل الجيش، وتجييش الآلاف من عناصرها الفاعلة، وإعادة إنشاء ميليشيات جهادية، والاستعانة بعناصر جهادية من خارج الحدود تحت ذات الغطاء الديني الذي تسبب في فصل دولة جنوب السودان في عام 2011. وحتى إدارة ترامب استشعرت خطورة تنظيم الإخوان المسلمين في السودان عندما أصدرت عقوبات بحق علي كرتي، الأمين العام للتنظيم، بجانب القيادي الإسلامي عبد الباسط حمزة، على خلفية علاقات مالية تربطه بتنظيم حماس.
وبالتالي يلوح سؤال مهم في أذهان العديد من المراقبين عن تجاوز تصنيف الإخوان المسلمين في السودان كجماعة إرهابية: هل ما تم تأجيل أم استثناء؟
وفي تقديري أن واشنطن تراقب عن كثب نشاط الإخوان المسلمين في السودان، وخاصة ما يتعلق بتغذية الحرب في السودان وتصديهم للجهود الدولية والإقليمية المبذولة لوقف الحرب. وينفق التنظيم الإخواني مليارات الدولارات للتسليح وحشد القدرات الإعلامية في مواجهة رغبة السلام في السودان، مستفيدًا من رغبات بعض دول الجوار والإقليم في استمرار الحرب والتكسب من غياب الشرعية الدستورية في السودان، لتمرير مصالحها القومية في دولة لا تملك سلطة سيادية أو دستورية في ظل انهيار اقتصادي وسياسي شامل.
ربما لا تريد واشنطن، في ظل جهودها لوقف الحرب بعد أن تولى الرئيس ترامب الملف السوداني بنفسه، بما يجعله مهددًا للأمن القومي الأمريكي، وفي ظل هذا الوضع الاستثنائي، تضع واشنطن حسابات مختلفة حتى تحافظ على قواعد اللعبة التي تحكم شكل الصراع العسكري، وتتحسب لخطوات اليأس التي بإمكانها أن تجعل الإخوان المسلمين أكثر عنفًا ودمويةً، وإحياء تحالفات قتالية مع مجموعات داعش والقاعدة وحركة الشباب الصومالية، بجانب جماعة بوكو حرام في غرب إفريقيا. وربما تكون واشنطن بصدد تأجيل متوقع بعد تفكيك أدوات الإسلاميين في المنطقة بنار هادئة، وربما زيارة مدير المخابرات السوداني مؤخرًا إلى واشنطن تحمل في أضابيرها استكشاف الخطوات التي سوف تتخذها واشنطن في القريب العاجل.
يجب على واشنطن والمجتمع الدولي اتخاذ مواقف حاسمة تجاه دور جماعة الإخوان المسلمين في حرب السودان، وخاصة بعد تطورات الأوضاع في اليمن والبحر الأحمر، وخطورة امتدادها في الإقليم الملتهب أصلًا، وتهديدها المستمر للأمن والسلم الإقليمي والدولي




