رأي

سلسلة كشف المستور (13) عقدة النخبة – الأفندي المخصي سياسيًا “ميزان الجزار”.. الورقة التي هزمت الفأس (شفشفة القلم)

مجدي محمد مصطفى ماكن

 

 مجدي محمد مصطفى ماكن

 

تاريخياً، كان نفوذ “العبدلاب” تحت مظلة “سيادة” السلطنة الزرقاء يمتد من سوبا شمالاً حتى الشلال الثالث. كانوا حراس “البوابة الشمالية”. ويحدهم من الشمال كيانات نوبية مستقلة.

 

لكن مع سقوط السلطنة الزرقاء ودخول الغازي التركي، ثم المستعمر الإنجليزي، حدث تحول ديموغرافي وسياسي كبير: “الزحف المقدس نحو الجنوب”.

 

تمدد نفوذ العبدلاب والمجموعات النيلية جنوباً، مبتلعاً أراضي الجزيرة وسنار والقضارف، مستفيداً من بندقية المستعمر الذي كان يبحث عن “حليف محلي”.

 

عندما جاء الإنجليز، لم يكتفوا بهذا الزحف العشوائي، بل قاموا بـ “هندسته”.

 

شجعت الإدارة البريطانية المجموعات العربية في الشمال (التي ضاقت بها أراضيها) على الهجرة جنوباً وشرقاً، للسيطرة على الأراضي الخصبة. تم ذلك بالتوازي مع تراجع وإزاحة ممنهجة لأصحاب السيادة التاريخية على الأرض (قبائل البرتا، الهمج، الفونج) الذين دُفعوا نحو الهوامش جنوبا، أو ذابوا قسراً.

 

ثم تجلت قمة هذه “الهندسة الاجتماعية” عند تأسيس مشروع الجزيرة في 1925.

هنا، فيه وضعت الإدارة البريطانية حجر الأساس للتمييز العنصري الحديث في السودان:

* منحت “صكوك الملكية” والفرص الاستثمارية في الجزيرة وسنار والقضارف للمهاجرين من الشمال والوسط الذين أصبحوا “ملاكاً” وأفندية.

* بينما تعاملت مع “المهجرين” و”المستجلبين” من الغرب والجنوب، بل وحتى أصحاب الأرض الأصليين من “الفونج”، كـ “وقود بشري”. حيث جيء بهم للعمل الشاق، وعُزلوا في “كنابي” بائسة، وحُرموا قانونياً من حق التملك أو السكن داخل القرى الرسمية.

هذا التمييز الاستعماري كان “بروفة” للجريمة الأكبر التي ارتكبها “الأفندي السوداني” بمجرد خروج الإنجليز.

لم يغير “الآباء المؤسسون” (خصيان الخديوي) قوانين الإنجليز الاستعمارية، بل توسعوا فيها وتوحشوا أكثر من وحشية المستعمر.

 

قانون 1970: جريمة انتزاع “حواكير” الهامش

 

في عرف أهلنا في الهامش، الأرض لا تُباع ولا تُشترى، الأرض تُورث كالشرف.

 

كان المزارع في دارفور، أو جبال النوبة، أو النيل الأزرق، يصحو فجراً، يحمل فأسه، ويضرب الأرض ليخرج خيراتها. هو يعرف حدود أرضه، وجاره يعرفها، والقبيلة تعرفها. هذا النظام العرفي (الحواكير) حمى الحقوق لقرون، حتى قبل أن تولد دولة السودان بحدودها الحالية.

لكن في عام 1970، قرر “الأفندي” في الخرطوم أن يغير قواعد اللعبة.

 

لم يرسل جيشاً ليحتل الأرض (في البداية)، بل أرسل “قانوناً”.

أصدرت حكومة المركز (التي ورثت عقلية المستعمر) كارثة قانونية تسمى: “قانون تسوية الأراضي وتسجيلها لسنة 1970” (قانون الأراضي غير المسجلة).

 

هذا القانون، الذي صاغه “ترزية” الخرطوم، يقول باختصار “أي أرض لا تملك شهادة بحث رسمية، هي ملك للحكومة.”

والكارثة الأكبر أن هذا القانون لا يعترف بصكوك ملكية “الحواكير” التاريخية، سواء كانت صادرة بختم سلطنة دارفور أو السلطنة الزرقاء. اعتبروها حبراً على ورق!

 

بجرة قلم واحدة، تحولت ملايين الأفدنة المملوكة للقبائل والمزارعين منذ مئات السنين إلى “أراضٍ حكومية”، فقط لأن أصحابها البسطاء لا يملكون “الورقة” التي اخترعها الأفندي في مكاتب الخرطوم المكيفة!

 

أولاً: أكبر عملية “سطو مسلح” بالقانون

ماذا فعلت الدولة بهذه الأرض “المسروقة”؟

هل وزعتها على فقراء المزارعين؟ هل بنت عليها مستشفيات؟

لا.. في النيل الأزرق والقضارف قامت بتوزيعها كـ “هبات” وامتيازات لضباط الجيش المتقاعدين، وكبار التجار، وشيوخ الطرق الصوفية الموالين للمركز.

* جاء “الغريب” من الخرطوم وهو يحمل “الورقة”.

* ووقف “صاحب الأرض” الأصلي وهو يحمل “الفأس”.

فحكم القاضي (الأفندي) لصالح الورقة، وطرد صاحب الفأس!

هكذا تحول الملايين في الجزيرة، والقضارف، والدلنج، والدمازين، ودارفور، من “ملاك أراضٍ” أحرار، إلى “عمالة زراعية” (طلقات) يعملون بالسخرة في أرض أجدادهم لصالح “سيد” جديد يسكن في العمارات بالخرطوم.

 

ثانياً: كارثة “الزراعة الآلية”: تدمير الأرض والإنسان

لم يكتفِ الأفندي بسرقة الأرض، بل دمر بيئتها.

الملاك الجدد (أفندية المركز) لا يهمهم الحفاظ على التربة، همهم “الربح السريع”. أدخلوا ما يسمى بـ “مشاريع الزراعة الآلية”.

جرارات ضخمة تحرث آلاف الأفدنة، تقطع الأشجار (حزام الصمغ العربي)، وتقتل المراعي الطبيعية.

* بيئياً: تسببوا في تصحر رهيب، دمر التربة الخصبة في سنوات قليلة، مما أجبر الرعاة والمزارعين على الصراع المميت حول الموارد المتبقية.

* اجتماعياً: قطعوا “المسارات” التي كانت تسير فيها مواشي الرعاة لقرون. عندما يجد الراعي “مشروعاً” يغلق طريقه، تحدث الاحتكاكات. الأفندي في الخرطوم يسميها “حرباً قبلية”، لكنها في الحقيقة “حرب موارد” أشعلها هو عندما سرق الأرض وقطع الطريق.

 

ثالثاً: التطهير الحضري.. فساد “الخطط الإسكانية”

لم تكتفِ النخبة بسرقة الريف، بل لاحقت الضحايا حتى داخل العاصمة.

مارست الدولة ما يمكن تسميته بـ “الأبارتهايد السكني” عبر توزيع الخطط الإسكانية في الخرطوم.

* وُزعت أحياء كاملة وراقية (في الخرطوم وبحري وأم درمان) لموظفي الدولة والضباط و أقاربهم، دون أن يجد فيها مواطن “واحد” من الهامش موطئ قدم، لأن شروط المنح كانت مفصلة عرقياً وطبقياً.

* في المقابل، عندما سكن النازحون من جحيم الحروب (النوبة، الفونج، الدارفوريون) في أطراف العاصمة، سُميت مناطقهم “سكن عشوائي” “الحزام الأسود” وحوربوا بـ “الكشات”.

 

نموذج “التكامل” (حي الشجرة): الشاهد الأكبر على العنصرية. استخدمت الدولة الجرافات وقوة السلاح لطرد آلاف السكان من النوبة والفونج من منطقة “التكامل” بحي الشجرة، وهدمت بيوتهم فوق رؤوسهم بحجة “التخطيط”. ولكن، لمن خُططت الأرض بعد طردهم؟

لم تُخطط لهم.. بل وُزعت قطعاً سكنية استثمارية لـ “أولي القربى” من سدنة النظام وضباط الأمن، ليقيموا عليها استثماراتهم، بينما شُرد أصحابها الأصليون إلى العراء مرة أخرى.

 

وللتاريخ أيضاً، نذكر الحملات العنصرية التي نظمها الدكتاتور جعفر نميري للقبض على السودانيين من أبناء دارفور وكردفان والنيل الأزرق والجنوب السابق من شوارع العاصمة، وحشرهم في القطارات قسراً لترحيلهم إلى “واو” و”نيالا”. كانت الحملة تسمى بوقاحة “إخلاء العاصمة من المشردين”، وكأن المواطن السوداني “وسخ” يجب تنظيف العاصمة منه!

 

رابعاً: “الحاكورة” vs “الدولة” صراع الوجود

يحاول إعلام المركز اليوم أن يصور نظام “الحواكير” على أنه نظام “متخلف” وعنصري.

يقولون: “الأرض لله وللدولة”.

هذه كلمة حق أريد بها باطل.

هم يريدون كسر نظام الحاكورة ليس لتطويره، بل لكي تصبح الأرض “مستباحة” للشركات الأجنبية ولمستثمري المركز دون “وجع راس” من السكان المحليين.

نظام الحاكورة كان نظام “أمان اجتماعي” يضمن لكل فرد في القبيلة (وحتى للضيوف) حقاً في الزراعة والسكن.

أما “نظام الدولة” (قانون 1970) فهو نظام “رأسمالي متوحش” ينزع الأرض من الفقير ليعطيها للغني.

 

خامساً: النازحون.. ضحايا القانون قبل البندقية

انظروا إلى معسكرات النازحين اليوم. من هؤلاء؟

هؤلاء هم أحفاد الملوك والمكوك والسلاطين والمزارعين الذين نُزعت أراضيهم أو طردوا منها بقوة السلاح وانعدام الأمن.

لم يخرجوا من ديارهم حباً في الخروج. خرجوا لأن “القانون” سلبهم حقهم في البقاء، ثم جاءت “الطائرة” الحربية لتكمل المهمة.

عندما يثور إنسان الهامش، فهو لا يثور عبثاً. هو يثور لاسترداد “أرضه” التي سُرقت بالقانون.

لذلك، أي حديث عن السلام لا يتضمن “إلغاء قوانين الأراضي الجائرة” وإعادة الحقوق لأهلها، هو مجرد “استراحة محارب”.

 

سادساً: الفأس ستهزم الورقة

 

رسالتنا لـ “لصوص الأراضي” الذين يحملون صكوك ملكية مزورة ممهورة بتوقيعات دكتاتوريي الخرطوم لمئات آلاف الأفدنة في النيل الأزرق وجنوب كردفان والقضارف وغيرها:

احتفظوا بأوراقكم، أو بللوها واشربوا مويتها.

في التأسيس الجديد: الأرض لمن يفلحها، لمن يعرق فيها، لمن يحميها، وليست لمن يسرق عرق المزارعين.

ستعود الحواكير لأصحابها، وستعود المسارات للرعاة، وسيتم تفكيك مشاريع “الزراعة الآلية” الجائرة التي دمرت البيئة، وتوزيع الصالح منها لأصحاب الأرض وللشباب، وليس للقطط السمان وخصيان الخديوي.

#الأبارتهايد_المنقب

#ميزان_الجزار

#الأرض_والعرض

المقال القادم:

سنتناول الجهاز الذي يحرس هذه القوانين الظالمة: “القضاء”.

سنكشف كيف تحول القضاء السوداني إلى “نادٍ مغلق”، يسبح بحمد السلطة، ولماذا قضاة السودان “يشبهون” بعضهم بعضاً؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!