رأي

الزغاوة بين الكيان الاجتماعي وابتزاز الحرب: حين تُختطف القبيلة لصالح السياسة

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

 الزغاوة: كيان اجتماعي لا مشروعًا حربيًا

منذ أن تشكّلت الزغاوة ككيان اجتماعي عابر للحدود، لم تكن قبيلةً بالمعنى العسكري للكلمة، ولا تجمعًا أيديولوجيًا ذا برنامج سياسي واحد. كانت  وما تزال  فضاءً اجتماعيًا مفتوحًا، تتجاور داخله الانتماءات، وتتباين فيه المواقف، وتتعايش فيه الرؤى المختلفة حول الدولة، والدين، والسياسة، والحرب، والسلام. هذه الحقيقة البسيطة يجري اليوم القفز فوقها عمدًا، في محاولة لإعادة تعريف القبيلة باعتبارها طرفًا أصيلاً في حرب لم تُستشر فيها، ولم تُفوَّض لخوضها.

الزغاوة، كغيرهم من مكونات السودان، يملكون تاريخًا أهليًا واضحًا في تنظيم شؤونهم: سلاطين، وملوك، وشراتي، وعُمد، ومشايخ. هذا البناء الاجتماعي لم يكن يومًا زينةً تراثية، بل آلية توازن، وحكمة جماعية، وضابطًا أخلاقيًا يمنع الانزلاق إلى الفوضى. وعندما تُستبدل هذه المؤسسات ببنادق الحركات وبياناتها، فإن النتيجة لا تكون تحديثًا سياسيًا، بل تفكيكًا اجتماعيًا خطيرًا.

إن الخلط المتعمد بين «الكيان» و«الحركة» ليس خطأً لغويًا، بل ممارسة سياسية واعية، هدفها منح قرارات ضيقة شرعية واسعة. فحين يتحدث قائد حركة باسم الزغاوة، فهو لا يعبّر عن قبيلة، بل يحاول الاحتماء بها. وهنا يبدأ الابتزاز: ابتزاز الاسم، والذاكرة، والضحايا.

من الاستهداف التاريخي إلى صناعة الوكيل المحلي

لم يأتِ ما تعرّضت له الزغاوة في السودان من فراغ. فقد تعامل النظام البائد معهم  خصوصًا منذ الثمانينات بوصفهم كتلة مشكوكًا في ولائها، ومصدر تهديد محتمل، لا باعتبارهم مواطنين كاملي الحقوق. هذا التصنيف الأمني فتح الباب أمام سياسات عقابية غير معلنة: استهداف اقتصادي، تحريض اجتماعي، تغذية نزاعات محلية، وإطلاق يد المجرمين تحت لافتات مختلفة.

دفعت القبيلة ثمنًا باهظًا لهذا النهج. قُتل أبناؤها، ونُهبت قراها، وشُرّد أهلها، لا لذنب ارتكبوه، بل لأنهم وُضعوا في خانة الاتهام الجماعي. هذه التجربة المريرة كان يُفترض أن تنتج وعيًا جمعيًا حذرًا من التحالف مع أي سلطة تُعيد إنتاج المنطق نفسه. غير أن ما حدث لاحقًا هو العكس تمامًا: جرى تدوير المظلومية لتصبح رأسمالًا سياسيًا، واستُخدم الألم لتبرير اصطفافات جديدة مع ذات المنظومات التي أنتجت القهر.

الأخطر في هذا المسار أن الاستهداف القديم استُخدم لاحقًا لتصنيع «وكلاء محليين» يفاوضون باسم القبيلة، ويتحدثون باسمها، بينما يعقدون صفقاتهم الخاصة في الغرف المغلقة. وهكذا تحوّل الكيان من ضحية لنظام قمعي إلى أداة في لعبة قمع جديدة.

 الحركات المسلحة: حين تتحول السياسة إلى وظيفة

لا يمكن فهم موقف مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم خارج سياق الحركات التي يقودانها. فهما، قبل أي شيء آخر، زعيما تنظيمين سياسيين مسلحين لهما حسابات، وتحالفات، ومصالح، وأجندات. المشكلة لا تكمن في كونهما زعيمين لحركات، بل في إصرارهما على مخاطبة الناس بوصفهما ممثلين للزغاوة، لا قادة تنظيمات محددة.

مني أركو مناوي لم يدخل السياسة كفاعل مدني، بل كقائد ميداني في سياق حرب. ومع الوقت، تحوّل من قائد يحمل خطاب التمرد إلى سياسي يتعامل مع السلطة باعتبارها موردًا. هذا الانتقال لم يكن مصحوبًا بمراجعة أخلاقية، ولا بإعادة تعريف للدور، بل بانتقال سلس من خطاب «القضية» إلى منطق المكاسب. وهنا بدأت الإشكالية: حين تُستخدم معاناة النازحين واللاجئين كورقة تفاوض، لا كأولوية إنسانية، يتحول التمثيل إلى تجارة.

أما جبريل إبراهيم، فمأزقه أكثر تعقيدًا. فهو آتٍ من خلفية أيديولوجية إسلامية واضحة، ما جعل اصطفافه في هذه الحرب امتدادًا طبيعيًا لتحالفه مع القوى التي أشعلتها. وجوده في موقع وزير المالية لم يكن لحظة إصلاح، بل لحظة سيطرة، ترافقت مع غياب شبه كامل للرقابة، وتفاقم مقلق في التعدي على المال العام. هذا الواقع جعل موقفه السياسي أكثر تشددًا في الدفاع عن السلطة، حتى بدا وكأنه أشد تمسكًا بها من صانعيها الأصليين.

في الحالتين، ما يصدر عنهما هو موقف حركي سياسي لا علاقة له بالزغاوة ككيان اجتماعي. تحميل القبيلة تبعات هذه المواقف هو ظلم مزدوج: ظلم للكيان، وتضليل للرأي العام.

الزغاوة والحياد الأخلاقي: موقف داخل القبيلة لا يُرى

واحدة من أكثر الأكاذيب رواجًا في خطاب الحرب هي الإيحاء بأن القبائل صامتة أو متواطئة. والحقيقة أن داخل الزغاوة، كما داخل غيرهم، تيارًا واسعًا عبّر بوضوح عن رفضه لهذه الحرب، وعن خطورة الزج بالقبيلة في صراع لا يخدم إلا أمراء السلاح. هذا التيار لم يكن هامشيًا، بل ضم مثقفين، وأكاديميين، وكتّابًا، وناشطين، أعلنوا منذ وقت مبكر أن هذه الحرب ليست حربهم.

غير أن صوت هؤلاء جرى تهميشه عمدًا، لأن الاعتراف به يهدم الرواية التي تحتاجها الحركات لتبرير مواقفها. فالاعتراف بتعدد المواقف داخل القبيلة يعني الاعتراف بانعدام التفويض، وانكشاف الادعاء بالتمثيل. ولهذا فضّلت القيادات المسلحة الحديث بلغة الجمع، وتذويب الاختلاف، وتحويل الكيان إلى كتلة صامتة.

هذا التهميش ليس بريئًا. إنه جزء من معركة على الذاكرة والشرعية. فحين يُسكت الصوت الرافض، يصبح الطريق ممهدًا لتقديم الحرب باعتبارها خيارًا جماعيًا، لا قرارًا فئويًا. وهنا تكمن الخطورة: إذ تتحول القبيلة من مجتمع حيّ إلى شعار.

 القبيلة والدولة: من يدفع ثمن الاصطفاف؟

إن أخطر ما في هذا المسار ليس ما يقال اليوم، بل ما سيُحاسَب عليه غدًا. فالقبائل لا تختفي بانتهاء الحرب، لكنها تتحمل آثارها لعقود. الاصطفاف غير المحسوب يترك ندوبًا عميقة في النسيج الاجتماعي، ويعيد إنتاج العداء، ويؤسس لدورات انتقام لا تنتهي. ومن يظن أن استخدام اسم القبيلة اليوم سيمنحه حماية غدًا، يسيء قراءة التاريخ.

الزغاوة، كغيرهم من مكونات السودان، معنيون بدولة عادلة، لا بسلطة مؤقتة. معنيون بقانون يحمي الجميع، لا بتحالفات تفرض عليهم أعداء جدد. إن تحويل القبيلة إلى أداة في معركة السلطة لا يخدمها، بل يعرّضها لمزيد من الاستهداف، ويمنح خصومها ذرائع جاهزة.

في المحصلة، لا يمكن اختزال كيان اجتماعي كامل في موقف رجلين، ولا في مسار حركتين. الزغاوة ليسوا حركة تحرير السودان، وليسوا العدل والمساواة، وليسوا تجمع قوة تحرير. هم مجتمع حي، متنوع، جريح، لكنه واعٍ. ومن يحاول الحديث باسمه دون تفويض، إنما يمارس اغتصابًا سياسيًا صريحًا.

هذه ليست معركة أسماء، بل معركة معنى: هل القبيلة فضاء للعيش المشترك، أم وقود دائم للحروب؟ الجواب، مهما طال الزمن، سيكتبه من رفضوا أن يُستخدم اسمهم غطاءً للدم، لا من تحدثوا به وهم يفاوضون على السلطة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!