تقارير وتحقيقات

محاكم الغياب: العدالة في السودان بين الانهيار والسيطرة الإيديولوجية

التنوير .. تقرير

 

تقرير صحيفة التنوير 

حين يُسخر القانون ليخدم السلاح، تموت العدالة بصمت.

 العدالة المهدورة في زمن الحرب

تشهد السودان منذ أبريل 2023 صراعًا دمويًا بين الجيش وقوات الدعم السريع، وهو صراع لم يقتصر على الساحات العسكرية، بل امتد إلى مؤسسات الدولة الحيوية، وأبرزها القضاء. مع استمرار النزاع، شهدت البلاد سلسلة محاكمات غيابية ضد المدنيين، تُتهم بالمشاركة في أعمال احتجاجية أو معارضة الحرب، في خطوة أثارت مخاوف واسعة حول تسييس القضاء واستغلاله كأداة للانتقام السياسي.

القوانين الجنائية ومكافحة الإرهاب، رغم صيغتها الرسمية، تُوظف اليوم لإضفاء الشرعية على ما تصفه مراقبون بأنه “محاكم انتقامية”، تستهدف الخصوم السياسيين والناشطين المدنيين، في وقت يشهد النظام انهيارًا كاملًا في المؤسسات القانونية، مما يطرح تساؤلات عن قدرة السلطة على إدارة العدالة بموضوعية وحياد.

 السياق التاريخي والسياسي للعدالة في السودان

لطالما كانت مؤسسات العدالة في السودان تحت ضغط أيديولوجي وسياسي، خصوصاً بعد انقلاب عام 1989 الذي أعاد إنتاج نفوذ الحركة الإسلامية داخل الدولة. منذ ذلك الحين، تم توظيف القضاء والنيابة العامة لضبط المشهد السياسي، وإسكات المعارضة، وصناعة “قوانين انتقائية” تُخدم المشروع الإيديولوجي الإسلامي.

الأزمة الحالية ليست معزولة عن هذا التاريخ؛ إذ تؤكد المحاكمات الجماعية بحق المدنيين على أن المؤسسات القضائية ما تزال أدوات بيد السلطة، وليست مستقلة عن التأثيرات السياسية والإيديولوجية. يظهر هذا بوضوح في توجيه اتهامات جنائية لأكثر من خمسة آلاف مدني، بينهم سياسيون وناشطون في لجان المقاومة ومتطوعون طبيون، على خلفيات سياسية وعرقية.

“حين تدخل السياسة إلى قاعات القضاء، فإن كل حكم يصبح صدى للسلطة لا صدى للعدالة.”

 المحاكمات الغيابية وسيطرة الإيديولوجيا

في العاصمة الإدارية لسلطة الجيش، تجري محاكمات غيابية ضد المدنيين الداعين للسلام ووقف الحرب، فيما يُحتجز المئات في سجون تحت تهم سياسية وعرقية. هذه المحاكمات تشمل أحكامًا بالإعدام والسجن المؤبد، وأحيانًا أحكامًا تصل إلى عشر سنوات، دون مراعاة لأبسط معايير العدالة أو الحق في الدفاع.

تشير بيانات الجهات الحقوقية إلى أن هذه المحاكمات تتبع نمطًا متكررًا: توجيه اتهامات غامضة، فرض الحبس، منع المحامين من الترافع، وإقحام عناصر مسلحة في القاعات القضائية، ما يحوّل المحكمة إلى مسرحية سياسية باسم القانون.

“انتصار القانون الحقيقي هو حماية الضعفاء، لا حماية من يمسك بالسلاح.”

 انهيار منظومة العدالة وأثره على المدنيين

تُظهر التحقيقات الحقوقية أن انهيار القضاء لا يطال المتهمين فقط، بل يشمل القضاة أنفسهم الذين يتحولون إلى أدوات لتنفيذ إرادة السلطة العسكرية. دخول عناصر مسلحة إلى قاعات المحاكم، ومنع المحامين من الدفاع عن موكليهم، يجعل من النظام القضائي منصة لفرض السيطرة والانتقام السياسي، بدلًا من كونه حاميًا للحقوق والمساواة أمام القانون.

المؤسسات القانونية التي ظلت لقرون مرفأ للحقوق في السودان، اليوم تُستَخدم لتصفية الخصوم السياسيين، وإعادة إنتاج نظام إقصائي يستغل الحرب لتعزيز النفوذ الإيديولوجي.

“العدالة بلا سلطة مستقلة، مثل سفينة بلا دفة؛ تتجه حيث تقودها الرياح.”

تأثير الحرب على العدالة والسيادة القانونية

الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 لم تقتصر أضرارها على النزوح والدمار المادي، بل امتدت لتقويض مؤسسات العدالة بشكل كامل. في ظل استشراء الخطاب الطائفي والعنصري، واحتكار السلاح، أصبحت المحاكم أداة لترهيب المدنيين، وضمان استمرار الانقسام المجتمعي، وتحويل النزاع العسكري إلى صراع قضائي.

تتضاعف المخاطر عند توظيف العدالة لمعاقبة المدنيين على أساس سياسي أو عرقي، إذ تُستَخدم القوانين الجنائية بشكل انتقائي، بينما تُهمل القوانين الدولية لحقوق الإنسان، وهو ما حذر منه خبراء حقوقيون كونه يمثل تهديدًا مباشرًا لوحدة الدولة واستقرارها

“العدالة المهدورة هي مقدمة للحرمان الجماعي من الحقوق.”

سلطة فاقدة للشرعية والأهلية

أشارت مصادر متعددة إلى أن سلطة بورتسودان، بقيادة الجيش، تمارس المرواغة السياسية وتطيل أمد المعاناة، رافضة كل المبادرات بما في ذلك الرباعية الدولية. تعكس هذه السياسة أن الحرب ليست مجرد نزاع مسلح، بل مشروع إيديولوجي يقوده الإسلامويون من خلال السيطرة على الجيش، وتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات للهيمنة وإقصاء المعارضين.

المراقبون يؤكدون أن هذه السلطة فقدت الشرعية الدستورية والأهلية القانونية والأخلاقية لإدارة العدالة، وأن كل محكمة تُعقد في ظل الحرب تُعزز من تسييس القضاء وتفقده المصداقية، بينما المدنيون يدفعون الثمن الأكبر.

“السلطة بلا شرعية، مثل قصر مبني على الرمال؛ سرعان ما ينهار أمام أول اختبار للعدالة.”

 المآلات المحتملة ومستقبل العدالة

بدون إصلاح جذري للمؤسسات القضائية، وإعادة بناء استقلال القضاء، فإن استمرار المحاكمات السياسية والغيابية سيعمّق الانقسام الاجتماعي ويضعف أي أمل في الانتقال المدني الديمقراطي. لا يمكن للمجتمع أن يثق في القضاء بينما تُوظف المحاكم لإرهاب المدنيين وتصفية حسابات سياسية، خصوصاً في ظل سيطرة قوى إسلاموية على النيابة العامة والشرطة العسكرية.

الخطوة الوحيدة لإنقاذ العدالة تتطلب ثلاثة شروط رئيسية: وقف الحرب، إعادة استقلال القضاء، وفصل الجيش عن السياسة بشكل كامل، وإلا فإن المحاكمات ستظل أداة لتكريس النفوذ الإيديولوجي، وليس لتحقيق العدالة أو حماية المدنيين.

“لا عدالة بلا حرية، ولا حرية بلا سلام، ولا سلام بلا دولة مستقرة.”

العدالة في مهب الحرب

يؤكد المشهد الحالي أن المحاكمات الجارية في السودان، سواء حضورية أو غيابية، لا تهدف إلى حماية القانون أو المدنيين، بل تستخدم كأداة للسيطرة السياسية والإيديولوجية، وفرض الهيمنة على المجتمع المدني. سلطة بورتسودان، فاقدة للشرعية والأهلية، تدير العدالة كما تدير الحرب: بلا شفافية، بلا حياد، وبلا احترام للحقوق الأساسية.

أي محاولة لتجاوز الأزمة القضائية دون إصلاح حقيقي للعدالة، أو بدون إنهاء النفوذ الإيديولوجي داخل الجيش والمؤسسات، ستكون مجرد إعادة إنتاج للأزمة نفسها بوسائل قانونية مزيفة، تؤكد أن العدالة في السودان اليوم بين الانهيار والسيطرة، والضحية الأكبر هي الشعب السوداني، الذي يظل يدفع الثمن البشري والقانوني والسياسي لكل هذه الممارسات.

“حين تُستباح العدالة، يُستباح الوطن كله.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!