رأي

العنصرية وسرديات التعمية

إيمان التجاني

 

إيمان التجاني 

أخطر أشكال الظلم أن يُمارَس باسم الدولة ثم يُنسب إلى ضحاياه.

ليست العنصرية في السودان ظاهرة طارئة، ولا نتاجًا طبيعيًا لتنوعه الإثني والثقافي، بل هي نتيجة مباشرة للسياسات التمييزية التي أرساها وكلاء الاستعمار، ثم أعادت الدولة المركزية الوطنية إنتاجها بأدوات أكثر قسوة ودهاء. فقد تأسست الدولة الحديثة على منطق هرمي يضع “المركز” في موقع الامتياز، ويُقصي “الهامش” سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، قبل أن يطلب منه لاحقًا تبرير غضبه أو اتهامه بممارسة العنصرية.

اعتمد الاستعمار على إدارة المجتمع عبر التفريق الجغرافي والإثني، وتوزيع السلطة والخدمات على أساس القرب من المركز لا على أساس المواطنة. هذه السياسات لم تُفكك بعد الاستقلال، بل وُرثت كما هي، ثم جرى توظيفها لخدمة نخبة مركزية ضيقة احتكرت الحكم والموارد، ورسّخت اختلالات التنمية والتمثيل. وهكذا تحوّل التهميش إلى واقعٍ يوميّ، لا يُقاس فقط بغياب الطرق والمدارس والمستشفيات، بل بإقصاء الإنسان من المعنى السياسي للوطن.

المؤسف أن الدولة المركزية لم تكتفِ بممارسة التمييز، بل طوّرت سرديات مضللة حول العنصرية، تُحمّل مكونات الهامش مسؤولية ما يعانونه. فحين يطالب المهمَّشون بالمساواة والعدالة، تُوصم مطالبهم بالعنصرية أو الجهوية، وحين يعبّرون عن هوياتهم تُقرأ باعتبارها تهديدًا للوحدة الوطنية. بهذا المنطق المقلوب، تُصبح الضحية متَّهمًا، وتُقدَّم بنية الظلم نفسها بوصفها حارسًا للوطن.

تعمل هذه السرديات على إخفاء جذور العنصرية الحقيقية: التمييز في فرص التعليم والعمل، الاحتكار غير العادل للسلطة والثروة، التمثيل المختل في المؤسسات السيادية، والاستعلاء الثقافي الذي يقدّم هوية واحدة باعتبارها المعيار الوطني. وبدل معالجة هذه الجذور، تُشيطن الدولة أصوات الاحتجاج، وتدفع النقاش نحو سجالات أخلاقية فارغة، تُبعده عن جوهر الأزمة.

في هذا السياق، تصبح الحروب المتكررة وخطاب الكراهية نتاجًا منطقيًا لتراكم الظلم. فالتهميش حين يُهمَل، والعنصرية حين تُنكر، يتحولان إلى عنفٍ اجتماعي وسياسي. لا لأن الهامش “عنصري”، بل لأن الدولة رفضت الاعتراف بمسؤوليتها عن صناعة الفوارق، واختارت إدارة التنوع بالقوة بدل العدالة.

إن مواجهة العنصرية في السودان لا تبدأ بتوبيخ المجتمعات المهمشة، ولا بتجريم التعبير عن الهوية، بل بتفكيك الدولة التمييزية نفسها. أي بالاعتراف بأن الاستعمار أسّس لخلل بنيوي، وأن النخب الوطنية أعادت إنتاجه، وبأن سرديات الدولة الحالية حول “عنصرية الهامش” ليست سوى آلية دفاع عن امتيازات تاريخية.

الطريق إلى تجاوز هذه الأزمة يمر عبر إعادة تعريف المواطنة، لا بوصفها شعارًا، بل كممارسة عملية تُنهي التمييز في السياسات والمؤسسات والخطاب. فالعنصرية لن تُهزم بإدانتها اللفظية، بل بتجفيف منابعها: التهميش، والاستعلاء، وإنكار الحقيقة. دون ذلك، ستظل الدولة تُنتج الأزمة، ثم تُلقي بها على كاهل من دفعتهم إليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!