تقارير وتحقيقات

شرق السودان.. خطر التدخل المصري والعقيدة الأمنية الإريترية

التنوير : تقرير: SPT 

 

   التنوير : تقرير: SPT 

كيف أتاحت هشاشة الدولة السودانية إعادة تشكيل شبكات النفوذ والأمن في القرن الأفريقي والبحر الأحمر؟

منذ سنوات يشهد شرق السودان أزمات متلاحقة تصاعدت بعد سقوط نظام عمر البشير، ثم خلال المرحلة الانتقالية، قبل أن تبلغ ذروتها مع اندلاع الحرب في أبريل 2023. ورغم أن هذه الأزمات تبدو في ظاهرها داخلية، فإن وضعها في سياقها الجيوسياسي يكشف ارتباطها الوثيق بشبكة مصالح إقليمية وصراع على النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وتنطلق هذه القراءة من فرضية أن ضعف الدولة السودانية أتاح لقوى إقليمية بناء شبكات نفوذ سياسية وأمنية في شرق البلاد، مستفيدة من موقعه الاستراتيجي. ويُقصد بشرق السودان هنا الامتداد الجغرافي الواقع بين مثلث حلايب شمالاً والنيل الأزرق جنوباً، وليس فقط ولايات البحر الأحمر وكسلا والقضارف، باعتباره فضاءً تتقاطع فيه المصالح الأمنية والسياسية الإقليمية.

وفي هذا الإطار، تبدو القاهرة الفاعل الإقليمي الأكثر قدرة والأكثر خطورة على توظيف نفوذها التاريخي داخل السودان، انطلاقاً من مقاربة تعاملت مع السودان باعتباره عمقاً جغرافياً واستراتيجياً يمدها بمياه النيل والموارد الطبيعية والذهب والثروة الحيوانية، ويمثل سوقاً وعمقاً استراتيجياً لها، أكثر من كونه دولة مستقلة ذات إرادة سياسية، مستندة في ذلك إلى علاقتها الوثيقة بالمؤسسة العسكرية السودانية. كما ترتبط استراتيجياً بأسمرا في بناء دائرة تأثير بشرق البلاد قد تؤثر في استقرار السودان ووحدته، بينما يشكل الحزام الأمني الإريتري أحد المرتكزات التي تستند إليها في تعزيز حضورها ضمن معادلات البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

ويعتمد هذا التقرير على مقاربة تربط بين مفهومي الدولة الهشة والأمن الإقليمي، انطلاقاً من أن تراجع قدرة الدولة على بسط سلطتها وإدارة التوازنات الداخلية يفتح المجال أمام القوى الإقليمية لتوسيع نفوذها عبر أدوات سياسية وأمنية ومحلية. ومن هذا المنظور، لا يمكن تفسير التحولات التي يشهدها شرق السودان بمعزل عن إعادة تشكيل موازين القوى في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، حيث تتداخل اعتبارات الأمن القومي للدول المجاورة مع هشاشة البنية المؤسسية للدولة السودانية.

الإدارات الأهلية.. مدخل للنفوذ الإقليمي

وجدت مصر وإريتريا في شرق السودان بيئة مواتية لتوسيع نفوذهما، مستفيدتين من بنية اجتماعية وسياسية رسخها نظام الإنقاذ خلال ثلاثة عقود. فقد تعامل نظام عمر البشير مع الإدارات الأهلية بوصفها أداة لإدارة المجتمع وتعزيز السيطرة السياسية، وبنى شبكات ولاء داخل المكونات القبلية عبر مؤسسات أمنية، أبرزها «مكتب أمن القبائل» التابع لجهاز الأمن والمخابرات.

وبعد سقوط النظام، ظلت هذه البنية فاعلة داخل الإدارات الأهلية، بينما تعرضت السلطة الانتقالية لعملية إضعاف شاركت فيها قوى النظام السابق، وتقاطعت معها مصالح قوى داخلية وإقليمية، فتراجعت قدرة الدولة على إدارة شرق السودان. ومع اتساع الفراغ، تحولت بعض الإدارات الأهلية من مؤسسات للتمثيل الاجتماعي إلى أدوات للحشد والضغط السياسي، ما وفر للقوى الإقليمية منفذاً جاهزاً للتأثير.

وتجلى ذلك في إغلاق الطريق القومي المؤدي إلى ميناء بورتسودان احتجاجاً على مسار شرق السودان في اتفاق جوبا للسلام، ثم في المواجهات القبلية التي شهدتها ولايات البحر الأحمر وكسلا والقضارف، قبل أن تمتد إلى النيل الأزرق، وسط عجز الدولة عن احتواء الأزمة.

ولم تكن القوى الإقليمية بحاجة إلى إنشاء أدوات نفوذ جديدة، إذ وجدت شبكات محلية قائمة أمكن توظيفها لخدمة مصالحها، فأصبح ضعف الدولة، إلى جانب الإرث السياسي والاجتماعي الذي خلفه نظام الإنقاذ، أحد أبرز العوامل التي مهدت لتوسع النفوذ الإقليمي في شرق السودان.

السودان في معادلة الصراع الإثيوبي الإريتري

لفهم الدور الإريتري في شرق السودان، لا بد أولاً من فهم موقع السودان في الحسابات الأمنية لكل من أسمرا وأديس أبابا. فمنذ استقلال إريتريا عام 1993، دخلت علاقاتها مع إثيوبيا مرحلة من التوتر انتهت بحرب حدودية بين عامي 1998 و2000، قبل أن تستمر المنافسة بين البلدين حول النفوذ وترتيبات الأمن في القرن الأفريقي.

في هذا السياق اكتسب السودان أهمية استثنائية بحكم موقعه وحدوده المشتركة مع الطرفين، إذ يمكن أن يتحول إلى مصدر دعم سياسي أو عسكري لأي منهما، أو إلى مساحة تنطلق منها جماعات معارضة تهدد أمن الطرف الآخر.

لذلك تعاملت أسمرا وأديس أبابا مع السودان باعتباره جزءاً من أمنهما القومي، وسعتا إلى ضمان عدم تحوله إلى جبهة معادية. فبينما ركزت إريتريا على تأمين حدودها الغربية ومنع استخدام الأراضي السودانية ضدها، انتهجت إثيوبيا سياسة تقوم على تحييد السودان أو استمالته ضمن توازناتها الإقليمية.

وبذلك أصبح السودان، رغم أنه ليس طرفاً مباشراً في الصراع الإثيوبي–الإريتري، عنصراً مؤثراً في معادلات الأمن بين البلدين.

الحزام الأمني الغربي.. عقيدة أسمرا تجاه السودان

تعد إريتريا الدولة الأكثر ارتباطاً بشرق السودان بحكم الجغرافيا والتداخل الاجتماعي والملفات الأمنية المشتركة. فمنذ استقلالها في مايو 1993، تعاملت أسمرا مع حدودها الغربية باعتبارها جبهة أمنية حساسة، مستندة إلى تجربتها خلال حرب التحرير ومخاوفها من تحول الأراضي السودانية إلى مصدر تهديد.

ومن هنا تشكل مفهوم الحزام الأمني الغربي، وهو مجموعة السياسات والترتيبات الأمنية التي اعتمدتها أسمرا لضمان ألا تتحول حدودها مع السودان إلى مصدر تهديد لأمنها القومي. وترسخ هذا المفهوم مع استضافة السودان لفصائل معارضة إريترية ونشاط جماعات مسلحة، مثل حركة الجهاد الإريتري، خلال فترة حكم الإنقاذ، ما دفع أسمرا إلى تبني سياسة تقوم على منع نشوء أي بيئة معادية غرب حدودها عبر مزيج من الإجراءات العسكرية والاستخباراتية وبناء شبكات نفوذ داخل شرق السودان.

وتكتسب مرحلة ما بعد انقلاب 1989 أهمية خاصة، إذ انتقل مركز نشاط المعارضة السودانية تدريجياً من القاهرة إلى أسمرا، ومنها انطلق التجمع الوطني الديمقراطي في نشاطه السياسي والعسكري ضد نظام البشير، لتصبح إريتريا لاعباً مؤثراً في الصراع السوداني.

ومع تراجع قدرة الدولة السودانية على فرض سلطتها، خاصة بعد انقلاب الجيش في عام 2021 ثم اندلاع الحرب في عام 2023، توسع الدور الوظيفي للحزام الأمني الإريتري من حماية الحدود إلى بناء نفوذ داخل شرق السودان عبر علاقات مع الإدارات الأهلية والقوى السياسية والعسكرية المحلية. وهكذا أصبح شرق السودان، بالنسبة لأسمرا، مساحة تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي مع ترتيبات النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

لم يتطور الدور الإريتري في شرق السودان بمعزل عن علاقته بمصر، بل جاء في إطار تقارب استراتيجي فرضته مصالح أمنية مشتركة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، خاصة في ظل الخلافات مع إثيوبيا حول مياه النيل وترتيبات الأمن الإقليمي. فالقاهرة تنظر إلى تنامي النفوذ الإثيوبي باعتباره تحدياً مباشراً لمصالحها الاستراتيجية، بينما ترى أسمرا في أي تمدد إثيوبي تهديداً لأمنها القومي، استناداً إلى إرث طويل من الصراع بين البلدين.

وانعكس هذا التقارب على شرق السودان بصورة واضحة؛ فبينما استندت مصر إلى نفوذها داخل مؤسسات الدولة، ولا سيما المؤسسة العسكرية، اعتمدت إريتريا على موقعها الجغرافي وشبكة علاقاتها مع المكونات المحلية، ليشكل الطرفان شبكة نفوذ متكاملة في إدارة التوازنات داخل المنطقة.

وبعد الثورة الشعبية التي أدت إلى سقوط نظام عمر البشير، تعزز التقارب بين القاهرة وأسمرا، إذ اعتبرتا صعود القوى المدنية خلال المرحلة الانتقالية تهديداً لمصالحهما الإقليمية، خصوصاً مصر، التي ارتبط نفوذها في السودان تاريخياً بالمؤسسة العسكرية، لذلك نظرت إلى أي انتقال ديمقراطي بوصفه تهديداً مباشراً لقدرتها على إبقاء السودان ضمن مجالها الاستراتيجي وخدمة مصالحها المرتبطة بمياه النيل والموارد الطبيعية والبحر الأحمر. كما خشيتا أن يؤدي تراجع دور المؤسسة العسكرية إلى تقارب أكبر بين الخرطوم وأديس أبابا في ملفات الحدود وسد النهضة والبحر الأحمر، خصوصاً مع الدور الذي لعبه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ومساندته للقوى المدنية الطامحة إلى التحول الديمقراطي.

ومن هذا المنطلق، دعمت العاصمتان قوى ترى ضرورة استمرار الدور السياسي للمؤسسة العسكرية. واعتمدت مصر على شبكة محلية ضمت إدارات أهلية وحركات مسلحة وقوى سياسية، إلى جانب المؤسسة العسكرية وشبكات احتفظت بها الحركة الإسلامية داخل الدولة والمجتمع، بما وفر لها أدوات فعالة للحفاظ على نفوذها الاستراتيجي داخل السودان. وبرز تأثير هذه الشبكات في اعتصام القصر الجمهوري عام 2021، الذي مهّد لانقلاب 25 أكتوبر، قبل أن تصبح، عقب اندلاع الحرب في أبريل 2023، جزءاً رئيسياً من تحالف بورتسودان الداعم للجيش السوداني.

ورغم التوتر الذي طبع العلاقات بين الخرطوم وأسمرا خلال عهد الإسلاميين، أعادت المتغيرات الإقليمية ترتيب الأولويات، فتعزز الحضور الإريتري في الملف السوداني مستفيداً من موقعه الجغرافي وصلاته بشرق السودان، في ظل تقاطع مع رؤية مصرية تستهدف الحفاظ على موازين القوى في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

كما يصعب فهم الحضور المصري في شرق السودان بمعزل عن مثلث حلايب، الذي تحول منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي إلى منطقة نفوذ مصري مباشر خارج سيطرة الدولة السودانية، ومنح القاهرة نقطة ارتكاز دائمة عززت حضورها على ساحل البحر الأحمر ووسعت قدرتها على التأثير في المعادلات الأمنية والاقتصادية للمنطقة.

إريتريا.. من النفوذ السياسي إلى الحضور العسكري

شكّلت حرب 15 أبريل 2023 نقطة تحول في الدور الإريتري داخل شرق السودان، إذ انتقل من النفوذ السياسي إلى حضور أمني وعسكري أكثر مباشرة، عبر استضافة معسكرات تدريب على الأراضي الإريترية لمجموعات مسلحة من دارفور وشرق السودان، لقوات مرتبطة بمكونات البجا ومساندة للجيش السوداني في مواجهة قوات الدعم السريع.

ويعكس هذا التحول اتساع مفهوم الحزام الأمني الغربي من حماية الحدود إلى بناء ترتيبات أمنية داخل شرق السودان، بما يعزز نفوذ أسمرا ويحمي مصالحها الإقليمية.

وفي المقابل، تنظر إثيوبيا إلى شرق السودان من زاوية مختلفة ترتبط مباشرة بحساباتها الاستراتيجية

إثيوبيا.. حسابات الأمن والحدود

تنظر إثيوبيا إلى ولاية النيل الأزرق باعتبارها جزءاً من منظومة الأمن المرتبطة بسد النهضة، بحكم قربها من السد والحدود الإثيوبية. لذلك لا تقتصر متابعة أديس أبابا للتطورات في هذه المنطقة على الاعتبارات الحدودية، وإنما تشمل أي تغيرات قد تؤثر في ميزان القوى الإقليمي المحيط بالسد.

كما تنظر بقلق إلى تنامي التقارب بين مصر والسودان وإريتريا، خشية أن يتحول شرق السودان إلى مجال نفوذ يعزز الحضور المصري بالقرب من حدودها. وترتبط هذه المخاوف بملف سد النهضة، إذ ترى أديس أبابا أن أي توسع للدور المصري في شرق السودان قد يمنح القاهرة أدوات ضغط إضافية في هذا الملف، بما ينعكس على معادلات الأمن الإقليمي.

البحر الأحمر.. البعد الإقليمي للصراع

تكشف هذه المعطيات أن أهمية شرق السودان تتجاوز حدوده البرية إلى موقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر، ما يجعله ركناً أساسياً في الحسابات الأمنية للدول المجاورة. فمن منظور القاهرة، يمثل شرق السودان امتداداً لأمنها القومي، وأحد أهم مرتكزات حماية مصالحها المرتبطة بمياه النيل والبحر الأحمر والموارد الطبيعية، بما في ذلك الذهب والثروة الحيوانية والمواد الخام، إلى جانب أمن قناة السويس، بينما يوفر الحزام الأمني الإريتري عمقاً جغرافياً وأمنياً يعزز هذه المصالح ويكرس النفوذ المصري في المنطقة.

في المقابل، تنظر إثيوبيا إلى هذا التقارب باعتباره تطوراً قد يخل بتوازنات الأمن الإقليمي ويمنح القاهرة أوراق ضغط إضافية في محيطها الاستراتيجي.

شرق السودان.. جغرافيا تدفع الثمن

تقود هذه القراءة إلى أن شرق السودان أصبح جزءاً من منظومة نفوذ إقليمي تتصدرها مصر، بوصفها الفاعل الإقليمي الأكثر تأثيراً، والتي تستند إلى علاقتها التاريخية بالمؤسسة العسكرية السودانية للحفاظ على السودان ضمن مجالها الاستراتيجي، بينما يؤدي الحزام الأمني الإريتري دوراً وظيفياً ضمن هذه الاستراتيجية، مستفيداً من الموقع الجغرافي لإريتريا وشبكاتها المحلية في شرق السودان.

ووفق هذا المنظور، أسهم تقاطع المصالح بين القاهرة وأسمرا في توظيف الحزام الأمني الإريتري لتعزيز النفوذ المصري وإعادة تشكيل موازين القوى في شرق السودان والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، مستفيدين من هشاشة الدولة السودانية بعد انقلاب الجيش في أكتوبر 2021 وفراغها المؤسسي.

تكشف هذه المعطيات أن مستقبل شرق السودان لن يتحدد فقط بقدرة السودانيين على إنهاء الحرب، بل أيضاً بقدرة الدولة على استعادة احتكار القرار الأمني والسياسي في الإقليم. فما دامت مؤسسات الدولة تعاني الضعف والانقسام، سيظل الشرق ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية، وستبقى أزماته انعكاساً لصراعات تتجاوز حدوده الجغرافية.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع السودان العودة إلى المسار المدني الديمقراطي واستعادة زمام المبادرة في إدارة حدوده الشرقية، أم سيظل خاضعاً لهيمنة مؤسسة عسكرية ترتبط استراتيجياً بالقاهرة، بما يبقي شرقه ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية ويؤخر قيام دولة مدنية ديمقراطية مستقلة القرار؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!