تقارير وتحقيقات

من دمّر الفاشر؟::حرب الظلال… حين تَحوَّلت المدينة إلى ضحية لمشروع خفي!!!!

التنوير:تقرير

 

تقرير: التنوير 

في السادس والعشرين من أكتوبر، لم يكن ما جرى في مدينة الفاشر مجرد محطة عسكرية في سياق حرب ممتدة، بل لحظة كاشفة لانهيار سردية كاملة ظلّت تُسوَّق لسنوات تحت عناوين “الكرامة” و“حماية الوطن”. ذلك التاريخ ارتبط، في الذاكرة الجمعية للسودانيين، بصور الخراب والدمار والنزوح القسري، وبمدينة فقدت ملامحها الحضارية تحت وطأة حرب لم تُحكَ حقيقتها كاملة بعد.

ما شاهدته أعين السودانيين، داخل البلاد وخارجها، لم يكن إلا النتيجة النهائية لمسار طويل من التخطيط والتواطؤ والصمت. صور الدمار لم تكن صادمة فقط بحجم الخراب، بل لأنها طرحت سؤالًا ظلّ مسكوتًا عنه طويلًا: هل كانت الفاشر ساحة معركة طارئة أم هدفًا مقصودًا؟

الفاشر… مدينة الرمز التي لم تُغفر لها مكانتها

لم تكن الفاشر مجرد مدينة ضمن خارطة دارفور، بل ظلت لعقود عاصمة تاريخية، ومرجعية ثقافية واجتماعية، ومركز توازن في الإقليم. هذه المكانة جعلتها، في نظر قوى بعينها، عقبة أمام مشاريع الهيمنة وإعادة هندسة الجغرافيا السكانية والسياسية.

استهداف الفاشر لم يكن حدثًا عرضيًا، بل جاء ضمن سياق أوسع يهدف إلى تفريغ المدن ذات الرمزية، وتحويلها إلى مساحات مدمّرة يسهل التحكم فيها لاحقًا. فالهدم هنا لم يكن للبنية التحتية فقط، بل للذاكرة والهوية والقدرة على النهوض مجددًا.

 السردية الرسمية… رواية ناقصة تخفي ما هو أخطر

رُويت معارك الفاشر عبر بيانات عسكرية وتصريحات سياسية متناقضة، لكن القاسم المشترك بينها كان تغييب الحقيقة الكاملة. جرى تقديم ما حدث كاشتباكات عسكرية اعتيادية، دون التطرق إلى طبيعة الأهداف أو نتائج ما بعد “التحرير”.

هذه السردية تجاهلت أسئلة جوهرية:

من المستفيد من تدمير المدينة؟

ولماذا تزامن الدمار مع موجات تهجير واسعة؟

وكيف تحوّلت أراضي المواطنين بعد النزوح إلى غنائم توزَّع في الخفاء؟

التخطيط من الخارج… حين تُدار الحروب من خلف الستار

تشير الوقائع والوثائق المتداولة إلى أن ما حدث في الفاشر لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة تخطيط شاركت فيه دوائر متعددة داخل وخارج البلاد. سياسيون، وعسكريون، وواجهات اجتماعية، عملوا ضمن شبكة مصالح واحدة، هدفها إعادة إنتاج السلطة القديمة بثوب جديد.

هذا التخطيط اعتمد على إدارة الصراع بدل حسمه، وعلى تدمير المدينة بدل السيطرة عليها، لأن المدينة الحية تشكّل خطرًا على أي مشروع استبدادي، بينما المدينة المدمّرة يسهل إخضاعها.

الحركات المسلحة من خطاب الهامش الي منطق الغنيمة

الأخطر في مشهد الفاشر لم يكن فقط فعل التدمير، بل الدور الذي لعبته بعض قيادات الحركات المسلحة في ما تلاه. فبدل حماية السكان أو الدفاع عن حقوقهم، انخرطت هذه القيادات في ترتيبات ما بعد النزوح.

تفيد معلومات موثقة بأن أراضي المواطنين الذين هُجّروا قسرًا جرى الاستيلاء عليها، وتوزيعها على عناصر مسلحة، في مقابل ضمان الولاء والاستمرار في القتال. هكذا تحوّل الخطاب من “قضية عادلة” إلى منطق الغنيمة، ومن “تمثيل الهامش” إلى الاتجار بدمه.

سلطة بورتسودان… إدارة الحرب وتثبيت المصالح

لم يكن ما جرى بمعزل عن السلطة القائمة في بورتسودان، التي وفّرت الغطاء السياسي والإداري لهذه الترتيبات. فبدل أن تكون الدولة حامية لحقوق المواطنين، تحوّلت إلى طرف يسهّل إعادة توزيع الأرض والسلطة بما يخدم استمرار الحرب.

تحت شعارات فضفاضة، جرى تمرير سياسات عمّقت الانقسام، ورسّخت منطق الإفلات من المساءلة، وفتحت الباب أمام تحالفات انتهازية لا ترى في دارفور سوى ساحة للمقايضة السياسية.

من المسؤول؟ سؤال العدالة المؤجل

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: من دمر الفاشر؟ بل: من تستر على الجريمة؟ ومن صمت؟ ومن استفاد؟

المسؤولية هنا متعددة المستويات، تبدأ من المخططين، مرورًا بالمنفذين، ولا تنتهي عند المتواطئين بالصمت أو التبرير. إن كشف هذه السلسلة ليس فعل تشفٍّ سياسي، بل شرط أساسي لأي حديث جاد عن العدالة والمصالحة.

الفاشر اليوم… ذاكرة مفتوحة على الحقيقة

إحياء ذكرى ما حدث في الفاشر لا يعني البكاء على الأطلال، بل الإصرار على كشف الحقيقة كاملة، بالوثائق والمستندات، بعيدًا عن التضليل والدعاية. فالمعركة الحقيقية اليوم ليست عسكرية، بل معركة وعي، ومعركة سردية، ومعركة حق في مواجهة مشروع يريد طيّ الصفحة دون حساب.

الفاشر لم تُدمّر فقط بالقذائف، بل بخيانة النخب، وانتهازية القيادات، وصمت المجتمع الدولي. ومع ذلك، تظل المدينة شاهدًا، وأهلها شهودًا، والحقيقة – مهما تأخرت قادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!