وزارة الرعاية الاجتماعية: ركيزة الاستقرار المجتمعي بين الدور الاستراتيجي وغياب الفعل الميداني
سهيبة مريش.. نيالا

سهيبة مريش .. نيالا
تُعد وزارة الرعاية الاجتماعية إحدى أهم الوزارات ذات الطابع الاستراتيجي في أي دولة تسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية وبناء مجتمع متماسك. فدورها لا يقتصر على تقديم المساعدات المباشرة أو الإغاثة المؤقتة، بل يمتد ليشمل حماية النسيج الاجتماعي، وتعزيز الاستقرار، وضمان حدٍّ أدنى من الكرامة الإنسانية للفئات الأكثر هشاشة، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والحروب والنزاعات.
وتنبع الأهمية الاستراتيجية للوزارة من كونها خط الدفاع الأول في مواجهة الفقر المدقع، والجوع، والمرض، والتشرد، وهي ظواهر تتفاقم بشكل خاص في مناطق النزاعات مثل إقليم دارفور. فنجاح وزارة الرعاية الاجتماعية في أداء مهامها يشكّل مؤشراً حقيقياً على مدى قدرة الدولة على تحقيق التنمية المستدامة والشاملة، وحماية مواطنيها من الانزلاق نحو الهشاشة والانهيار الاجتماعي.
تلعب الوزارة دوراً محورياً في تحقيق الاستقرار الاجتماعي، إذ تسهم شبكات الأمان الاجتماعي الفاعلة في الحد من الاحتقان المجتمعي، وتقليل معدلات الجريمة، وتعزيز شعور المواطنين بالانتماء والثقة في مؤسسات الحكم. كما يُعد الاستثمار في برامج الرعاية الاجتماعية استثماراً مباشراً في رأس المال البشري، من خلال دعم التعليم والصحة والتغذية، بما يمنع توارث الفقر عبر الأجيال ويفتح آفاقاً جديدة للمشاركة الإنتاجية في المجتمع.
ولا يقتصر دور الوزارة على دعم الأسر المتعففة فقط، رغم مركزية هذا الدور، بل يشمل طيفاً واسعاً من الأدوار الاجتماعية، من بينها حماية الأطفال، ورعاية كبار السن، ودعم ذوي الإعاقة، وتمكين النساء، وإعادة دمج المتأثرين بالنزاعات، إضافة إلى برامج الدعم النفسي والاجتماعي للأسر التي فقدت معيلها أو تعرضت لصدمات الحرب. وتُعد الأسرة، باعتبارها الخلية الأساسية للمجتمع، محوراً رئيسياً في تدخلات الوزارة، إذ أن انهيارها تحت وطأة الفقر يهدد استقرار المجتمع بأكمله.
وتبرز أهمية برامج التحويلات النقدية المشروطة كأحد أنجع أدوات الوزارة، لما لها من دور مزدوج في تخفيف الأعباء المعيشية وتحفيز الاستثمار في التعليم والصحة. كما تمثل مشاريع التمكين الاقتصادي، مثل القروض الحسنة الصغيرة وبرامج التدريب المهني، نقلة نوعية من الإعالة المؤقتة إلى الاعتماد على الذات، وهو ما يُعد نجاحاً استراتيجياً حقيقياً في عمل الوزارة. ويظل توفير السكن الاجتماعي الآمن أحد الأعمدة الأساسية لضمان العيش الكريم والاستقرار الأسري.
وتتضاعف الأهمية الاستراتيجية لوزارة الرعاية الاجتماعية في سياقات الحرب والنزوح، حيث تنهار مصادر الدخل وتتفكك الهياكل الاقتصادية. في مثل هذه الظروف، تضطلع الوزارة بدور حاسم في تنسيق جهود الإغاثة، وتأمين الغذاء والدواء والمأوى، بالتعاون مع المنظمات الإنسانية. كما يُعد الدعم النفسي والاجتماعي ضرورة قصوى لإعادة ترميم المجتمعات المتأثرة وتعزيز قدرتها على الصمود.
غير أن هذا الدور الحيوي يصطدم، في ولاية جنوب دارفور، بواقع مقلق يتمثل في ابتعاد وزارة الرعاية الاجتماعية عن مهامها الأساسية. إذ يشير مراقبون إلى أن الوزارة باتت تُدار بعقلية فردية، وكأنها كيان خاص، بعيداً عن هموم المواطنين الحقيقية واحتياجاتهم الملحّة. ويعكس هذا الواقع ضعفاً في الفهم المؤسسي لطبيعة مهام الوزارة، وغياب التنسيق الداخلي رغم توفر كفاءات مهنية مؤهلة قادرة على إحداث فرق ملموس.
ورغم الموارد والدعم الذي يُفترض أن ينعكس في برامج فاعلة تخفف من معاناة المتضررين من الحرب، لم تشهد الساحة إنجازات تُذكر على مستوى المشاريع الجوهرية. وقد أثار الإعلان الأخير عن إقامة “بازار” استياءً واسعاً في أوساط المواطنين، الذين يتساءلون عن جدوى مثل هذه الأنشطة في ظل تفاقم الفقر والجوع وارتفاع الأسعار، لاسيما مع اقتراب شهر رمضان، وهو ما شكّل صدمة لتوقعاتهم تجاه دور الوزارة.
وفي هذا السياق، تتعاظم المطالبات بضرورة مراجعة أداء وزارة الرعاية الاجتماعية، بل والإدارة المدنية بولاية جنوب دارفور ككل، باعتبار أن استمرار هذا النهج يشكّل عبئاً حقيقياً على تطلعات المواطنين. كما يطالب كثيرون الجهات المعنية وحكومة السلام بالنظر الجاد في إصلاح هذه المؤسسات، بما يضمن توجيه الموارد نحو برامج عملية تخدم الفئات الأكثر احتياجاً.
وفي الختام، لا يمكن النظر إلى وزارة الرعاية الاجتماعية بوصفها وزارة هامشية، بل هي عمود أساسي للاستقرار الوطني والعدالة الاجتماعية. فتمكينها إدارياً ومالياً، وإخضاع أدائها للمساءلة والشفافية، يمثل التزاماً أخلاقياً واستراتيجياً تجاه بناء مجتمع أكثر تماسكاً، ومستقبلاً أكثر أمناً وكرامة لجميع المواطنين.



