متلازمة ستوكهولم السياسية في السودان: هل نحتاج علاجاً جماعياً قبل أن نهزم أنفسنا؟
عبد الله محمد ادم ،،كمبالا

عبدالله محمد ادم كمبالا
ما يحدث في المشهد السوداني اليوم ليس مجرد مفاوضات أو مساومات سياسية، بل هو عرض صارخ لـمتلازمة ستوكهولم جماعية، حيث الضحية (الشعب) تدافع عن جلاديها (النظام البائد)، و تستشيرهم في شفائها من جروحهم، وتستدعيهم لقيادة مستقبلها رغم أنهم أشعلوا نار حربها!
و عندما يصبح الجلاد مستشاراً للضحية حيث لا يمكن لفطير عاقل أن يتصور منظمة ثورية كصمود تتفاوض مع نظام أبادها ثلاثين عاماً، أشعل حرباً أهلية، و شرّد الملايين، ونهب ثروات البلاد، ثم تأتي الثورة لتستجدي الجلوس معه على طاولة واحدة و كأنه شريك في الحل لا مصدر الداء!
ان لقاء حمدوك مع الدكتور علي الحاج في ألمانيا ليس جسراً للمصالحة، بل هو اعتراف ضمني بأن جلاد الأمس لا غنى عنه اليوم، وهو رسالة خطيرة للشعب السوداني مفادها: إن جلاديكم ظلموكم لكنهم خبراء في إدارة البلاد، فلنستبقِهم و نستشيرهم!و تتجلي إعادة تدوير الفشل في سياسة الوجوه القديمة بأدوار جديدة و المشهد يتكرر بفظاعة في “تاسيس” مع ملاحظة حسبو محمد عبد الرحمن (يد البشير اليمنى) ينوب عن الديمقراطية ! والباشا طبيق يُختار وزيراً للطاقة في حكومة تحالف تاسيس! بلا خبرة و لا معرفة في ادارة و تشغيل الطاقة و البترول،و السؤال المحير بأي منطق يُختار رجل من رجال النظام المباد ليدير قطاعاً تقنياً معقداً مثل الطاقة و البترول في حكومة تاسيس؟ و كيف يتم اختيار معلم تسلق سلم الانقاذ ليصل لعضوية مجلس ولاية غرب كردفان حتي قيام الثورة و مؤسس لتنظيم قبلي عنصري، لتعينه حكومة تاسيس ضابطا اداريا في محلية ابوزبد، و لم يعمل طيلة عمره في الادارة ؟ و الامثلة كثيرة، لكن الجواب بسيط: ليس بالكفاءة او النزاهة او الايمان بمباديء الثورة، بل بالولاء القديم و الرهبة المستمرة من عصا النظام السابق و دعم مباشر من القبلية و المناطقية التي اعلنت الثورة حربا عليها، و ربما هي عودة منسقة لرموز نظام الحركة الاسلامية دون علم الكثيرين .
انها مفارقة الثورة التي تخاف من ثوارها! والأكثر إيلاماً أن هذه الثورة التي يفترض أنها تمثل إرادة الجماهير، تضع حسابات للكيزان و ردود فعلهم فوق مطالب الشعب الذي ضحَّى بشهدائه، فكل قرار “لصمود” او “تاسيس” يُحسب بألف حساب: كيف سيراه الكيزان؟ كيف سيردون؟ ماذا سيقولون؟و هنا تاتي المفارقة العبثية:، ثورة تخشى ردة فعل النظام الذي أطاحت به أكثر من خشيتها لخيبة أمل شعبها!
فهل هذا خلل في المنطق أم مرض في الوعي؟ عندما يُقدم لنا السياسيون تبريرات واهية مثلا: “لنستفيد من خبرتهم” وكأن ثلاثين عاماً من الإفلاس والإرهاب والفساد خبرة! و بحجة “لنضمن استقرار المرحلة” و كأن استقراراً يأتي على جماجم الضحايا هو الاستقرار الذي يرضيهم ،و يحتجون بان الوطن للجميع! نعم الوطن للجميع، لكن المحاكم للجناة اولي
لكن العلاج يبدأ بالاعتراف بالمرض،
فالسودانيون يحتاجون إلى جلسة علاج جماعية من متلازمة هلسنكي السياسية، حيث يكون فيه :القطع النفسي مع الجلاد و الاعتراف بأن النظام السابق ليس شريكاً بل خصماً تاريخياً للشعب و تكون فيه ثقة في الكفاءات الحقيقية، فالبلاد تزخر بخبراء دون حاجة لإعادة تدوير وجوه الفشل. و من و صفات التداوي ان يكون الولاء للوطن قبل الأشخاص و الكفاءة و المعرفة قبل الولاءات الحزبية و القبليةو ان تكون المساءلة قبل المصالحة، فلا مصالحة بلا عدالة، و لا شراكة بلا محاسبة.
انا علي يقين اننا لن نُهزم إلا بانفسنا و السودان على مفترق طرق: إما أن يستفيق من هذه الغيبوبة السياسية، ويعامل النظام البائد كمرض يجب استئصاله لا كشريك يجب استرضاؤه، أو سيستمر في حلقات مفرغة من الدماء و الدمار، ليصل بعد سنوات إلى نفس النقطة: فساد بمسميات جديدة، و استبداد بأوجه قديمة والعلاج يبدأ اولا بالاعتراف بالحقيقة: اننا قد تعايشنا مع آلامنا حتى أحببناها، و تآلفنا مع جلادينا حتى افتقدناهم، و حتى نُشفى، يجب أن نرفض أن يكون سجان الأمس هو طبيب اليوم.فهل نعي الدرس قبل أن يُكتب تاريخنا بأحرف من ذهب على شواهد قبورنا في المنافي و الملاجيء؟




