تقصير الإدارة المدنية في.ولاية جنوب دارفور إدارة شؤون الولاية وتداعياته على النسيج المجتمعي.
سهيبة مريش ،، نيالا

سهيبه مريش
إن الحديث عن إدارة شؤون ولاية ولاية جنوب دارفور، وخاصة في ظل ظروف تتسم بالتحديات ا لاقتصادية والسياسية، يمثل قضية محورية تستدعي التحليل العميق والتقييم الموضوعي للأداء الحكومي. في السياق المشار إليه، يبرز تقصير واضح في إدارة الولاية، وهو تقصير لا يقتصر فقط على الجوانب المالية والإدارية الروتينية، بل يمتد ليشمل رؤية استراتيجية غائبة أو مشوهة، مما يضع الولاية وأهلها أمام منعطفات خطيرة تهدد استقرارها وتطلعاتها المستقبلية.
منذ تولي الإدارة الحالية، المتمثلة في حكومة يوسف إدريس، يبدو أن الولاية قد دخلت مرحلة من الاضطراب المتزايد، حيث تجاوزت المشكلات حدود السكوت المقبول لتصل إلى مستوى يثير القلق العام. التقييم الأولي للأداء يشير إلى وجود تضارب بين التصريحات الرسمية والواقع المعاش للمواطنين والموظفين على حد سواء. إن الشعور السائد بين الكوادر الوطنية المخلصة هو أن هناك مؤامرات تُحاك بشكل ممنهج، إما عن قصد لتصفية حسابات أو نتيجة لغياب تام للكفاءة الإدارية في التعامل مع ملفات الولاية الحيوية.
يكمن جوهر المشكلة في التوجهات المتبعة التي يبدو أنها تسير عكس مصلحة التنمية والاستقرار. من الواضح أن هذه التوجهات أودت بالولاية إلى نفق مظلم ومفترق طرقات، نتيجة لاعتمادها على التكتلات والشلليات الضيقة بدلاً من الاعتماد على الكفاءات الوطنية الشاملة. هذا النمط من الإدارة، الذي يركز على الولاءات الشخصية بدلاً من الكفاءة المهنية، يؤدي حتماً إلى تهميش الأصول البشرية القادرة على إحداث التغيير الإيجابي. فالحكومة التي تتبنى سياسة "جوع كلبك يتبعك"، عبر تجويع الموظفين وحرمانهم من حقوقهم الأساسية، إنما تسعى لفرض تبعية قسرية لا علاقة لها بالإنتاجية أو الإخلاص للوطن. هذه الاستراتيجية القائمة على الإذعان الاقتصادي هي وصفة مؤكدة لتقويض أي مشروع تنموي طموح.
أحد أبرز مظاهر هذا التقصير هو السلوك المالي غير الرشيد الذي تمارسه القيادة. إن الحديث عن بنود صرف واهية وغير مبررة، وعيش ترف مبالغ فيه يتناقض بشكل صارخ مع الأوضاع المعيشية الصعبة للمواطنين، يمثل إهانة للمنطق الاقتصادي السليم. عندما تنفق الحكومة ببذخ على ممارسات لا تعود بالنفع العام، بينما تتوقف أبسط الحقوق، يصبح السؤال مشروعاً: ما هو الهدف النهائي من هذه الإدارة؟ هل الهدف هو إضعاف المشروع التنموي للولاية عمداً، أم هو ببساطة انهيار هيكلي ناتج عن سوء الإدارة الفادح؟
الجانب الأكثر إيلاماً وتهديداً للاستقرار هو التدهور في المؤسسات الحكومية، والذي يهدف إلى تجفيفها فعلياً عبر فرض واقع مرير. إن هذا التوجه لا يهدد فقط سير العمل اليومي، بل يمثل اعتداءً مباشراً على البنية التحتية الإدارية التي يفترض أن تكون عصب الولاية. هذا التجفيف الممنهج للمؤسسات يهدف إلى إضعاف قدرتها على تقديم الخدمات، وربما يمهد الطريق لخطوات مستقبلية أكثر ضرراً تتعلق بخصخصة أو تصفية الأصول العامة لصالح جهات غير وطنية أو مجموعات مصالح خاصة.
إن التأخير المزمن في صرف مستحقات الموظفين، وخاصة استمرار هذا التأخير منذ شهر نوفمبر وحتى الآن، هو الدليل القاطع على الإفلاس الإداري والأخلاقي. الموظف الذي لا يتقاضى راتبه هو مواطن لا يستطيع تلبية احتياجاته الأساسية، وهذا التوقف يعني شللاً كاملاً في القطاع العام، وتدهوراً في مستوى الخدمات المقدمة للجمهور، وتحولاً للموظف من خادم للمصلحة العامة إلى شخص يكافح من أجل البقاء. هذا الإجراء لا يمكن تبريره بأي ظرف اقتصادي، خاصة عندما تترافق التقارير مع أنباء عن ترف في مستويات الإنفاق الأخرى.
إن حكومة يوسف إدريس مطالبة بمراجعة جذرية لتوجهاتها الحالية. الاستمرار على هذا النهج يعني تصعيداً للأزمة نحو مستويات لا يمكن السيطرة عليها. يجب أن يتم التحول الفوري نحو سياسة تشمل الشفافية في الإنفاق، وتفعيل دور الكوادر الوطنية الخالصة في عملية صنع القرار، وإعادة الاعتبار للقطاع العام عبر ضمان استمرارية دفع مستحقات العاملين في أوقاتها المحددة. إن الحفاظ على النسيج المجتمعي يتطلب إدارة تراعي كرامة الإنسان وتضع المصلحة العامة فوق أي اعتبارات شخصية أو فئوية.
ختاماً، يمثل التقصير الإداري الظاهر في الولاية تحت قيادة يوسف إدريس تحدياً وجودياً يهدد بتدمير المكتسبات التنموية ويزرع بذور عدم الاستقرار الاجتماعي. إن الأزمة ليست مجرد أزمة مالية عابرة، بل هي أزمة قيادة ورؤية تتسم بالتكتلات الضيقة والإقصاء الممنهج للكفاءات. إذا لم يتم تصحيح المسار الحالي بالعودة إلى مبادئ الحوكمة الرشيدة والعدالة في توزيع الثروة والاهتمام بالبنى التحتية للمؤسسات، فإن المستقبل الذي ينتظر الولاية سيكون مظلماً ومليئاً بالصراعات الداخلية الناتجة عن الشعور بالغبن والتهميش.




