رأي

السودان بين نفاق القاهرة وأنقرة: دماء المدنيين والشعوب لن تنسى

ابو عبدالله الراشدي

 

ابو عبدالله الراشدي 

في الوقت الذي يعلن فيه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره التركي رجب طيب أردوغان عن اتفاق “هدنة سياسية” في السودان، يظل الشعب السوداني يقف متحيرًا أمام هذا المسرح المليء بالنفاق. فالشعب الذي دفع دماءه وأرخص ما يملك من أجل وطنه لن ينسى تاريخ التدخلات المستمرة، ولن يغفر لدولتين أغرقتا السودان في أتون الحرب، وأصبحتا طرفين مباشرَين في إشعال الصراع، وتحويل الأرض السودانية إلى ساحة لتجارب سياسية وأيديولوجية قاتلة.

مصر، الدولة التي تزعم اليوم الحرص على استقرار السودان، كانت عبر السنوات الماضية فاعلًا أساسيًا في تغذية الصراع. لم يقتصر دورها على التدخل السياسي فحسب، بل امتد إلى الجانب العسكري، حيث تم استخدام طائراتها في استهداف الأحياء السكنية والمدنيين، ما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا الأبرياء وتشريد مئات الآلاف من المدنيين. هذه الأعمال لم تكن مجرد أخطاء أو تجاوزات، بل كانت جزءًا من استراتيجية ممنهجة للحفاظ على النفوذ المصري والسيطرة على الموارد السودانية، على حساب دماء أبناء السودان وأمنهم. أي حديث عن هدنة قادمة من القاهرة هو خداع دبلوماسي، وغطاء لمحاولة إعادة ترتيب مصالحها على الأرض السودانية، وليس وسيلة لإنقاذ المدنيين أو إنهاء الحرب.

أما تركيا، فقد كانت شريكًا في هذا الدم والخراب، فهي الدولة التي دعمت جماعة الإخوان المسلمين بالسلاح والمال، وأدخلت إلى السودان مسيرات بيرقدار بدون رحمة، ما أسفر عن سقوط مئات القتلى والجرحى بين المدنيين الأبرياء. هذه المسيرات لم تفرق بين موقع عسكري وآخر مدني، وأصبحت رمزًا للخراب الذي جلبته الأجندة التركية إلى السودان، مساهِمة في إطالة الحرب وإشعال الفتنة بين الجيش وقوات الدعم السريع. أنقرة، التي تدعي اليوم حرصها على الحل السياسي، كانت وراء أحد أبرز أدوات القتل الحديثة في السودان، ولم يكن دعمها مجرد نقل أسلحة، بل كان توظيفًا مباشرًا للفوضى والأيديولوجيا القاتلة على الأرض السودانية.

إن الشعب السوداني لم يعد يثق في أي حديث عن هدنة من هذين الطرفين. فالهدنة التي يعلنها السيسي وأردوغان ليست سوى سراب دبلوماسي، محاولة لتجميل صورة من شاركوا في الحرب وارتكبوا المجازر، ولتعزيز نفوذهم على حساب سيادة السودان واستقلاله. أي عملية سياسية مستقبلية لن تُكتب لها نجاحات إذا استمرت تدخلات مصر وتركيا، وإذا لم تُعطَ الأولوية للشعب السوداني نفسه، الذي عانى سنوات من النزاع والدمار.

اليوم، يلاحق القاهرة وأنقرة لعنات الشعب السوداني. ليس لأنهما فشلا في إيقاف الحرب، بل لأنهما غذّتا الصراع، دعمتا الجماعات الإرهابية، وأسهمتا في قتل المدنيين الأبرياء. كل تصريح عن السلام يجب أن يُقارن بسجل الدم الذي تركته كل منهما، وإلا فإن أي حديث عن هدنة أو تسوية سياسية يبقى مجرد كلام فارغ، لا يليق بمأساة شعب دفع غالياً مقابل الاستقرار والسلام.

السودان بحاجة اليوم إلى مسار وطني خالص، بعيد عن كل تدخل أجنبي، يضع إرادة الشعب في قلب القرار، ويقطع الطريق على كل من حاول أو يحاول أن يستغل الأزمة لأجندته الخاصة. أي هدنة حقيقية يجب أن تُبنى على محاسبة الأطراف المتورطة، وقف الدعم الخارجي للإرهاب، وضمان سيادة القرار السوداني. ولن يكون هناك سلام حقيقي ما لم تتحرر بلادنا من نفوذ القاهرة وأنقرة، ولن يُنسى الشعب السوداني أبدًا كل دم سُفك على أرضه بسبب هذه التدخلات.

إن الشعب السوداني يعلم جيدًا أن الحل لن يأتي من الخارج، مهما حاولت الدولتان تلميع صورتهما، وأن أي مسار سلام يجب أن يكون وطنيًا، داخليًا، ومستقلاً عن أجندات غريبة. وكما كتب التاريخ في صفحات الحروب، فإن من يغذي الحرب ويدعم الإرهاب لا ينجو من لعنة الشعوب، ولعنة الشعب السوداني ستظل تلاحق القاهرة وأنقرة ما حيينا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!