
براءة حامد
تتجدد في الأوساط السودانية موجة واسعة من النقاش كلما ظهرت الدكتورة أماني الطويل، الباحثة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، للتعليق على تطورات الحرب في السودان. فبينما يُقدَّم حضورها إعلامياً بوصفه صوتاً اكاديمياً متخصصاً في الشأن الأفريقي، يرى كثير من السودانيين أن تدخلها في قضايا بلادهم يتجاوز حدود التحليل البحثي، وأن خطابها يتقاطع – بدرجات متفاوتة – مع توجهات السياسة الرسمية المصرية تجاه الخرطوم.
تنطلق هذه الرؤية النقدية من ثلاثة محاور مركزية. أولها الخلفية المؤسسية للطويل، فمركز الأهرام يُعد من أبرز مراكز التفكير المرتبطة تاريخياً بصناعة الرؤية السياسية والأمنية في مصر، ما يجعل مخرجاته تُقرأ في الغالب باعتبارها انعكاساً لخطاب الدولة أو جزءاً من أدوات قوتها الناعمة. ويرى منتقدون أن طبيعة هذه المؤسسات لا تمنح مساحة واسعة للاجتهاد المنفصل عن أولويات “الأمن القومي المصري”، بل تنحاز – ولو بصورة غير مباشرة – إلى مقاربات السلطة تجاه الملفات الإقليمية الحساسة، وعلى رأسها السودان.
أما المحور الثاني، فيتعلق بطبيعة خطاب الطويل الإعلامي. إذ يظهر بوضوح أن تحليلاتها تركّز على التأكيد أن الجيش السوداني هو الضامن لبقاء الدولة، مقابل انتقاد دائم للقوى المدنية، ووصف حاد لقوات الدعم السريع. هذا التمركز في الخطاب يراه سودانيون محاكاة للرؤية الرسمية المصرية، التي تعلن صراحة دعمها للمؤسسة العسكرية السودانية باعتبارها الأقرب لمفهوم الدولة المركزية الذي تفضله القاهرة.
ويبرز المحور الثالث في ما يعتبره سودانيون تدخلاً مباشراً في رسم سيناريوهات الحل السياسي عبر مقالات وتصريحات تُقرأ، من وجهة نظرهم، كامتداد لرغبة مصر في إعادة إنتاج نفوذها داخل السودان. فبينما تدعو الطويل إلى ضرورة الوصول إلى “حل مدني متوافق”، فإن خطابها كثيراً ما يحمِّل القوى المدنية نفسها مسؤولية التعقيد السياسي، الأمر الذي يراه منتقدون تناقضاً يصب عملياً في اتجاه واحد: تعزيز دور مصر كوسيط محوري لا يمكن تجاوزه في مستقبل السودان.
وفي هذا السياق، تبرز نقطة جوهرية تشكّل الخلفية العميقة لهذا الجدل:
فخطاب الطويل – مهما قُدّم بصفته بحثياً – يبدو في نهاية المطاف صدى واضحاً لمواقف مصر الرسمية، التي دأبت على التدخل في الشأن السوداني تحت ذريعة “الأمن القومي المصري”. وعلى امتداد التاريخ، ظلّ السلوك الرسمي المصري يجسّد خصومة مزمنة تجاه السودان، إذ تبنّت القاهرة في كثير من المنعطفات سياسات أضرت بالمصالح السودانية، وأسهمت في تكريس حالة الريبة السودانية من أي خطاب سياسي يأتي من الجار الشمالي.
هذه الخلفية التاريخية تمنح تصريحات الطويل حساسية خاصة، وتجعل تلقّي السودانيين لها مشحوناً بإرث طويل من التوجس.
ومع ذلك، تؤكد الطويل في كل ظهور إعلامي أنها تتحدث كباحثة مستقلة، وأنها لا تمثل أي جهة رسمية ولا تتلقى توجيهاً من الدولة المصرية. كما أن غالبية الانتقادات الموجهة إليها تستند إلى قراءة سياسية لخطابها، لا إلى وثائق تثبت صلة مباشرة بصنّاع القرار في القاهرة، ما يجعل الجدل في جزء كبير منه سجالاً حول التأويل أكثر من كونه سجالاً حول حقائق مثبتة.
لكن هذا الجدل لا يمكن فصله عن السياق الأكبر: الدور المصري في السودان. فبينما ترى القاهرة نفسها معنية بما يجري جنوب حدودها بحكم الضرورات الأمنية والجغرافية، ينظر قطاع واسع من السودانيين بعين الريبة لأي تدخل مصري، سواء أكان بحثياً أم سياسياً أم إعلامياً، خصوصاً في ظل تعقيدات الحرب وتشابك المصالح الإقليمية.
في المحصلة، يبقى الجدل حول أماني الطويل تجلياً لصراع سرديات أكبر: سردية مصر الرسمية ومقاربتها للسودان، وسرديات الفاعلين السودانيين الذين يسعون إلى تحرير قرارهم السياسي من نفوذ القوى الإقليمية. وهو جدل سيظل مفتوحاً ما دامت الحرب مستمرة، وما دام مستقبل السودان موضوعاً تتنازع عليه مصالح عدة أطراف.




