رأي

جريمة الفاشر من القاتل والمقتول ومن الرابح والمسؤول؟

سيف الدين صالح هارون

 

سيف الدين صالح هارون

سقطت مدينة الفاشر ( للمرة الثانية ) رغم كل التحوطات والتحزيرات والإعدادات والتجهيزات والتخوفات ومحاولة الدفاع المستميت لها لأكثر من عام من قبل المدافعين عنها من (حلف القوات المشتركة لحركات دارفور وقوات النظام ) ؛ ظل حصارا شرسا غير مسبوقا في تاريخ الحروب السودانية وذلك من قبل (قوات الدعم السريع) الذي لا يضاهيه شراسة سوي حصار (قوات المهدية لمدينة الخرطوم) المحتلة من قبل الاستعمار الإنجليزي – المدعوم من قبل المصريين استخباراتيا ولوجستيا – والتي استمرّت لمدة (313 يوما) حينها في الفترة من – ١٣/مارس ١٨٨٤ حتي سقوطها في ٢٦/ يناير ١٨٨٥ – و الذي قتل فيه الجنرال/ غردون باشا حاكم / عام السودان المشهودة . ولم يكن ذلك السقوط الاول لهذه المدينةً التاريخية ذات الدلالات الاجتماعية والسياسية والعسكرية والنفسية في نفوس اهل دارفور بصفة خاصة و اهل السودان عامة وللعالم الاسلامي حينها علي وجه الخصوص . فهي المدينة التي ظلت عنوانا ورمزية (لسلطنة ودولة دارفور ومقرا (للسلطان علي دينار ) الذي ارتبط اسمه تاريخيا بالدولة العثمانية التي حارب في حلفها ابان العهد التركي الاسلامي. ومنها انطلقت قوافل المحمل السنوي لكسوة الكعبة المشرفة لعدة دهور ، مما جعلها تاريخاً موثقا وممهورا بتوقيعات وأختام الملك سعود بالمملكة العربية السعودية حتي يومنا هذا وسيظل لمقبل العهود . فقد سقطت الفاشر عسكريا واخلاقيا ونفسيا في صيف العام ٢٠٠٤ عندما اجتاحتها (قوات حركة /جيش تحرير السودان ؛ باستهداف مطار الفاشر العسكري وتحطيم الطائرات الحربية التي كانت تقتل اهل دارفور ونعيق مسار جيش التحرير ) في عهد مؤسسها البطل الشهيد (عبد الله ابكر )الذي استشهد في (معركةً أبو ابو قمرة البطولية ورفيقه الشهيد البطل (جدو ساقور) القائد الميداني لأركان متحركات قوات الحركة وبقية أبطال التحرير العظماء الآخرين ؛ الذين يتجاهلهم الآخرون ؛ وهم الذين سلموا الراية للرفاق الاستاذ (عبد الواحد محمد النور) رئيس /الحركةً حينها والذي خلفه القائد / (مني اركو مناوي ) علي رئاستها حتي الان والذي في – عهده بكل اسف – شهدت الحركة انقساما حادا بعيد قيام مؤتمر حسكنيتة ٢٠٠٥ ومنها بدأت الحركة في (العد التنازلي ) حتي ارتبط اسم قائدها مني مناوي الان بهذه الهزيمة الكبيرة بحكم مسؤليته ( كحاكما لإقليم دارفور والمشرف العام للقوة المشتركة التي تقاتل مع النظام من بورتسودان بعد تورطها في عملية انقلاب اكتوبر الحزين الذي كان احد مسببات قيام هذه الحرب التي يخوضونها مع الدعم السريع الشريك العدو للنظام الذي سانده في القضاء علي ثورة ديسمبر ٢٠١٩ التي كان حصادها ما آلت إليه البلاد من وضع حزين . وهذه الفرضية التاريخية لا يزكرها الآخرون اما عمدا او جهلا بحقائق التاريخ ( وهي العملية الناجحة التي خططت لها الحركة حينها وحققت أهدافها العسكرية والانسحاب التكتيكي دون خسائر في صفوفها ) ، وان السقوط الأخير للفاشر ما كان له ان يكون لو ان قادة المشتركة أجادوا حسن التصرف واعملوا الحكمة واستمعوا لنصح رفاقهم الذين وقعوا معهم اتفاقا سياسيا عسكريا اخلاقيا ملزما بمدينة الفاشر قبيل محاصرتها ؛ يقضي بأن يخرج الطرفان المتحاربان ( قوات الجيش وقوات الدعم السريع ) بعيدا من الفاشر وتظل إدراتها محايدة تحت القوة المشتركة التي جميعها كانت في (موقف الحياد من تلك الحرب ) وتم (توقيع الاتفاق بذلك ؛ ولكن بكل اسف قد نقض بعض قيادات القوة المشتركة – مني مناوي من حركة تحرير السودان – د.٠جبريل من العدل والمساواة – عبد الله يحيا من تجمع قوات تحرير السودان واخرون ) وقرروا خوض الحرب ضد قوات المجلس الانتقالي بقيادة د. الهادي ادريس – تجمع قوي تحرير السودان بقيادة الطاهر حجر – القائد سليمان صندل حركة العدل والمساواة السودانية والتي جميعها التزمت جانب الحياد ولكنها دخلت في الصراع بعيد قيام مؤتمر حكومة تأسيس بنيروبي ) ثم من بعد ذلك قررت القوات الانضمام لحلف قوات النظام والدخول في حرب ضد قوات الدعم السريع المحاصرة لمدينة الفاشر من كل الجهات . والحقيقة تقال ان المشتركة قد أبلت بلاءا حسنا وقدمت تضحيات كبيرة واحدثت خسائر كبيرة وسط قوات حلق قوات الدعم السريع ولكنه كانت كانت جهدا مهدورا لم يقابل بالجهد الموازي من قبل قوات النظام بالمركز ببورتسودان ؛ بل وفي كثير من الآحيان كان النظام يلعب علي عامل الزمن وطول امد هذه الحرب متبعا تكتيكا عسكريا استخباراتيا خبيثا يقوم علي استراتيجية الارض المحروقة وأسلوب الحرب بالوكالة وأبعاد تلك القوة الشرسة (المشتركة + الدعم السريع المركز ونقل الصراع مرة اخري الي دارفور – وهي لعبة ذكية لم يفطن لها قيادات المشتركة إلا مؤخرا – لان الدعم السريع بعد الهزائم التي الحقها بقوات النظام بالخرطوم استخدما تكتيكا عسكريا وسياسيا خبيثا بفتح جبهة الجزيرة والمناقل ثم التوغل نحو العمق بالنيل الأبيض وسنار والدمازين وجبهة كردفان – ونقل الصراع برمته الي دارفور مرة اخري ! حتي يبعد خطورة تمدد الدعم السريع الي الشمال ومركز الحكم المؤقت ببورتسودان ( المحطة الأخيرة لهذه الحرب حسب المخطط) وقد تحدثت كثيرا في لقاءات سابقة عبر لايفات في صفحتي الخاصة بالفيس بوك عن هذه الفرضية وقد اشرت الي ان القوات التي تتقاتل بدارفور الان ؛ هي اخطر قوة عسكرية استراتيجية بالسودان – (الدعم السريع وقوات الحركات الدارفورية) وقد قلت ان الذي ينتصر في الفاشر ودارفور سوف يحسم امر الحكم بالسودان ) وقد كان ! فان سقوط الفاشر المتعمد من قبل نظام الحكم ببورتسودان قد غير من ميزان الحرب وادخل النظام وشركائه من القوة المشتركة في معادلة عسكرية وسياسية حرجة وعقد الموقف السياسي المستقبلي وسيطيح برؤس كبيرة وسيغير من المعادلة الاقليميه والدولية وينقل الصراع الي مراحل جديدة ويعقد من الجهود التي تجري الان لإيجاد حلول سياسية تنهي هذه الحرب التي صنفت بالأسوأ بالمحيط الإقليمي الأفريقي والعربي والذي سيلقي بظلاله علي دول الجوار وعلي المحيط الدولي.وهنا يكون الرابح الخاسر هو نظام الحكم المركزي ببورتسودان الذي يتحكم في خيوطه النظام السابق للإنقاذ وواجهته السياسية المؤتمر الوطني وواجهته الآيديولوجية من الاسلاميين وحلفائهم من القوة المشتركة للحركات الدارفورية وحركة تحرير السودان شمال قطاع النيل الأزرق بقيادة مالك عقار وعدد من الأفراد المنتفعين الذين صنعهم المؤتمر الوطني سابقا كأدوات لهذا الخصوص وجموع المستنفرين المقرر بهم وبكل تأكيد المستهدف الاول هم جموع الشعب السوداني بكل الأقاليم والمناطق التي يدور بها الصراع خصوصا النازحين والنازحات واللاجئات واللاجئين بدارفور وبكل البلاد . والباحثين عن التغيير من الشباب الثائر والشابات الثائرات .. والمعارضين بالداخل والخارج والمعارضات لهذه الحرب والمغلوب علي امرهم الذين ظلوا صامدين بالداخل ويتهمون الان بانتمائهم للطرفان المتحاربان بتهمة التعاون ويتعرضون للتصفية الجسدية والاعتقالات والترهيب والتهجير وابتداع بدعة قانون الوجوه الغريبة والانتماء للحواضن المؤيدة للطرفان بكل اسف ؛ والجاهزين بالحقيقة في وصف الحرب ومجرياتها من اهل الفكر والرأي والصحفيين والاعلاميين من الجنسين الذين يحاولون توجيه الرأي العام حول مخاطر هذه الحرب وسلبياتها وظروفها وأسبابها وانعكاساتها علي مستقبل البلاد ووحدته وقوميتها . والمستفيد بدون شك العدو الخارجي العالمي المستتر الخفي الذي يدير خيوط هذه الجريمة بأررع استخبارات اقليمية تدير شبكة استخبارات داخلية متقلقلة داخل جسد القوات النظامية بمساندة شخوص سياسية وعسكرية فاقدة الضمير والأخلاق والقيم الوطنية أضعفت من قدرة ومقرات القوات المسلحة السودانية ( الضحية الاولي) في هذا الصراع الذين لا دخل لهم به ويدفعون ثمن تضحياته بكل اسف مما جعلهم عرضة للاستهداف السياسي الممنهج وهم لا حول ولا قوة لهم به سوي ان الأقدار وضعتهم في هذا المأزق الحرج فأضحوا بين نار 🔥 القتال والاستماتة من اجل شرّف الدفاع عن المبادئى التي اقسموا علي الحفاظ عليها والاستشهاد من اجلها ؛ وبين نار الخنوع لأطماع الساسة الاغبياء ودفع فواتير العمالة والخيانة والتدخلات الخارجية التي ليست لهم قدرة وتحمل مجاراتها ؛ ويظل السؤال المشروع قائما؛ هذه الحرب من القاتل والمقتول ومن الخاسر والرابح فيها؟ ومن المسئول عن قيامها والمتحكم في مجرياتها ومن الذي سيوقفها ؟.

سيف الدين صالح هارون

الولايات المتحدة 🇺🇸 الأمريكية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!