رأي

الاتحاد الافريقي وثبات المبدأ … الجزائر في ميزان الثورة السودانية 

السفير عادل إبراهيم مصطفى 

 

السفير عادل إبراهيم مصطفى 

الجزائر التي أنشد لها الشعراء السودانيون بوصفها رمزًا للثورة والتحرر في إفريقيا، واستحضروا بطولتها في مواجهة الاستعمار الفرنسي، وحيّوا تضحيات شعبها ورموزها التي أصبحت مصدر إلهام لحركات التحرر في القارة الإفريقية …

الجزائر ذات التاريخ المشرّف في قضايا النضال من أجل حرية وكرامة الإنسان الإفريقي، وصاحبة المواقف الناصعة في دعم قضايا شعوب القارة، والصوت العالي في مساندة حركات التحرر الوطني، والمطالبة بإنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا…

والجزائر التي عُرفت بمواقفها المستقلة دفاعًا عن العمل العربي المشترك، ورفضها هيمنة دولة واحدة على القرار العربي، حفاظًا على التوازن داخل جامعة الدول العربية واستقلال مؤسساتها…

والجزائر ذات العلاقة الخاصة بشعب السودان، الذي يكنّ لها محبة وتقديرًا يفوقان الوصف؛ وقد تجلّى ذلك بوضوح في دعمه ومؤازرته للمنتخب الجزائري في المباراة الفاصلة المؤهلة لكأس العالم 2010 أمام المنتخب المصري، التي أُقيمت في العاصمة الوطنية أم درمان. يومها أجمع لاعبو المنتخب الجزائري أنهم لم يشعروا بأنهم يلعبون خارج أرضهم أو بعيدًا عن جمهورهم.

مع كل هذا الإرث، يقف اليوم وزير الخارجية الجزائري الأسبق وممثل الأمين العام للأمم المتحدة، رمطان لعمامرة، في موقعٍ يُنظر إليه – من قِبل قطاع واسع من السودانيين – على أنه منحاز إلى السلطة العسكرية التي انقلبت على آمال الشعب السوداني في السلام والحرية والعدالة، وأعادت إلى الواجهة عناصر نظام الإخوان المسلمين الذي اطاح الشعب السوداني برأسه في ثورته الشعبية المجيدة، تلك الثورة التي وقف العالم مؤيدًا لها ومُعجبًا بسلميتها وشعاراتها.

وقد دفع ذلك عددًا من السياسيين والأكاديميين والأدباء والمفكرين والدبلوماسيين السودانيين إلى رفع مذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة للمطالبة بإعادة النظر في مهمته، في ظل شعور متزايد بعدم الثقة في حياد الوساطة الأممية.

إن الجزائر كانت من أوائل دول القارة التي اكتوت بنار التطرف والعنف المسلح خلال تسعينيات القرن الماضي، وعانت من آثار الهوس الديني وما خلّفه من مآسٍ إنسانية عميقة. لذلك بدا مستغربًا لدى كثيرين أن يُفهم موقفها الراهن – متقاطعًا مع الموقف المصري – باعتباره داعمًا لإعادة تأهيل سلطة انقلابية في السودان يدعمها الاخوان المسلمون، في وقت يشهد فيه النظام الإقليمي الإفريقي تطورًا معياريًا مهمًا يقوم على رفض الانقلابات العسكرية وتعليق عضوية الأنظمة التي تصل إلى السلطة عبرها، حتي وإن كانت بعيدة عن الهوس والتطرف الديني. فمبادئ الاتحاد الإفريقي، التي أرست قاعدة واضحة في مواجهة الانقلابات، لم تكن مجرد نصوص إجرائية، بل تعبيرًا عن إرادة إفريقية جماعية لتعزيز الحكم المدني الديمقراطي الرشيد، وترسيخ صورة إفريقيا كقارة تسعى إلى أن تأتي السلطة فيها بإرادة الشعوب، لا عبر فوهات البنادق.

غير أن التطورات الأخيرة داخل أروقة الاتحاد الإفريقي أعادت شيئًا من الاتزان إلى المشهد؛ إذ تمسّك الاتحاد بموقفه المبدئي الرافض للانقلابات العسكرية، ورفض الاستجابة للمساعي الرامية إلى رفع تعليق عضوية السلطة الانقلابية في السودان، رغم الضغوط الإقليمية. ولم يكن ذلك مجرد إجراء بروتوكولي، بل تأكيدًا عمليًا على أن التحولات المعيارية التي أرساها الاتحاد في العقدين الأخيرين ليست قابلة للمساومة تحت ضغط الحسابات السياسية الضيقة.

ويمثل هذا الموقف تثمينًا صريحًا لإرادة الشعوب الإفريقية في الحكم المدني الديمقراطي الرشيد، ورسالة واضحة بأن القارة تمضي – رغم التعثرات – في اتجاه ترسيخ شرعية تستمد أساسها من التفويض الشعبي لا من السيطرة العسكرية. كما يعكس، في الوقت ذاته، تعثر المساعي الدبلوماسية التي سعت إلى إعادة إدماج السلطة الانقلابية في السودان خارج الإطار المعياري الذي توافق عليه الأفارقة أنفسهم.

أما موقف مصر، فيراه كثير من السودانيين امتدادًا لنهج تاريخي داعم لعسكرة الحكم في السودان، انطلاقًا من حسابات تتعلق بالأمن الإقليمي وملف مياه النيل والتوازنات السياسية. لكن الذي أثار الاستغراب حقًا هو أن تُفهم مواقف الجزائر – بتاريخها الثوري ورمزيتها التحررية – على أنها بعيدة عن تطلعات الشعب السوداني في الحكم المدني الديمقراطي.

إن شعب السودان، الذي حمل للجزائر كل هذا التقدير، لا يزال يأمل أن يكون موقفها منسجمًا مع إرثها الثوري، ومع القيم التي جعلت منها أيقونة للتحرر في إفريقيا والعالم العربي. كما أن تمسك الاتحاد الإفريقي بمبادئه يبعث برسالة أمل بأن مستقبل القارة لن يُبنى على شرعنة الانقلابات، بل على احترام إرادة الشعوب وصون كرامتها، وهو الطريق الوحيد نحو استقرار دائم وسلام حقيقي في السودان وإفريقيا عمومًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!