رأي

فاتورة النضال المقدسة من أجل الحرية والديمقراطية والالتفاف حول قيادة التغيير

سهيبة مريش

 

سهيبه مريش

لطالما كانت مسيرة الشعوب نحو نيل حريتها وتحقيق ديمقراطيتها محفوفة بالتضحيات الجسام والأثمان الباهظة. وفي سياق النضالات التاريخية، يبرز أبناء المناطق المهمشة كوقود أساسي لهذه الثورات، يدفعون فاتورة التغيير بدمائهم الزكية التي تروي أشجار الحرية. إن هذا النضال، الذي غالبا ما يكون دمويًا وطاهراً، يعكس عمق الظلم التاريخي الذي عانته هذه الفئات، وصدق تطلعها إلى٤ مستقبل يتمتع فيه الجميع بالعدالة والمواطنة المتساوية. في السودان، تتجلى هذه الحقيقة بوضوح في الثورات المتلاحقة، حيث يشكل أبناء الهامش، الذين تحملوا العبء الأكبر من التهميش والإقصاء، القلب النابض للحراك التغييري.

إن الفاتورة التي يدفعها هؤلاء الأبناء ليست مجرد خسائر مادية أو إصابات عابرة؛ بل هي تضحيات تمتد لتشمل الأرواح، وتهدم الأسر، وتفقد المجتمعات عصبها الحيوي. هذه الدماء الطاهرة هي الضمانة الحقيقية لعدم انتكاسة المسار الثوري. فالتاريخ يثبت أن الثورات التي تُسقى بدماء الشهداء الصادقين، خاصة أولئك القادمين من الصفوف التي طالما عانت، هي الثورات التي يصعب على قوى الرجعية أو الاستبداد طمسها أو تحويل مسارها. إن نقاء هذه التضحيات ينبع من تجرد المناضلين من دوافع المصالح الضيقة، وتركيزهم على الهدف الأسمى وهو بناء وطن يتسع للجميع.

بناءً على هذا السياق التاريخي والواقعي، يقع على عاتق المواطنين في مناطق الهامش مسؤولية مضاعفة والتزام مطلق بالالتفاف حول ثورة التحرير. هذا الالتفاف لا يجب أن يكون شكليًا أو عاطفيًا فحسب، بل يجب أن يتسم بالصدق والتجرد الكاملين. إن المرحلة الراهنة تتطلب وحدة صف غير مسبوقة، فالتنازلات الصغيرة أو الانقسامات الدقيقة قد تكون كفيلة بفتح ثغرات تستغلها القوى المعارضة للتحول الديمقراطي. إن الالتفاف هنا يعني حماية المشروع التغييري من الاختطاف أو التمييع، وضمان أن الثمار النهائية لهذه التضحيات ستعود بالنفع على كل فرد في الهامش والمراكز على حد سواء.

في خضم هذا المشهد المعقد، تبرز قيادة وطنية تحمل على عاتقها مهمة توجيه هذا التحول. إن الفريق محمد حمدان دقلو، ابن الهامش الذي يناضل الآن من أجل تحقيق هذه المطالب، يمثل رمزية خاصة في هذا السياق. فعندما يقود النضال شخص ينتمي مباشرة إلى تلك الفئة التي دفعت الثمن الأكبر، فإن ذلك يضفي شرعية إضافية على المسار ويؤكد أن الثورة ليست مجرد تغيير وجوه، بل هي تحول هيكلي يهدف إلى إنصاف المظلومين تاريخيًا. إن وجود قيادة تعي مرارة النضال من الداخل يقلل من مخاطر تكرار الأخطاء التي أدت إلى تهميش الهامش في المقام الأول.

إن حماية هذا التحول بكل ما يملكون من قوة هو واجب مقدس. القوة هنا لا تعني فقط القوة العسكرية أو الأمنية، بل تشمل القوة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. يجب على أبناء الهامش أن يكونوا الدرع الواقي للعملية الانتقالية، وأن يشاركوا بفاعلية في كافة لجان ومؤسسات بناء الدولة الجديدة. هذا الحماية تتطلب يقظة مستمرة ضد المحاولات الداخلية والخارجية لزرع الشقاق أو إثارة الفتن الطائفية والجهوية، وهي أساليب مجربة تهدف دائمًا إلى إضعاف أي مشروع تغيير حقيقي يستند إلى العدالة الاجتماعية.

الجانب الأكثر حيوية في الدعوة إلى الالتفاف حول هذا المسار هو ضرورة التخلص التام والنهائي من الانتماءات الضيقة التي أضرت بالسودان كثيرًا على مر العقود. لقد أثبت التاريخ أن القبلية، والجهوية، والمصالح الفئوية الصغيرة، كانت أدوات فعالة في أيدي الأنظمة الاستبدادية لتفريق الصف الوطني وإلهاء الجماهير عن قضاياها الأساسية. إن النضال من أجل الحرية والديمقراطية هو نضال يتجاوز حدود العشيرة أو المنطقة؛ إنه نضال يهدف إلى تأسيس عقد اجتماعي جديد يضمن المواطنة الكاملة لجميع أبناء الوطن دون استثناء.

على أبناء الهامش أن يدركوا أن أي عودة إلى مربع الولاءات الضيقة سيعني خيانة لدماء الشهداء الذين سقطوا وهم يحلمون بوطن موحد يعامل الجميع على قدم المساواة. إن الوحدة الوطنية الحقيقية لا تتحقق بالتنكر للاختلافات، بل بالاعتراف بها ودمجها ضمن رؤية وطنية جامعة. عندما يلتف أبناء الهامش حول هدف التحرير الوطني بقيادة يثقون بها، فإنهم لا يدافعون عن شخص أو فصيل، بل يدافعون عن حقهم التاريخي في تقرير المصير وبناء دولتهم المدنية الحديثة.

إن النصر الذي يقوده الفريق محمد حمدان دقلو، بوصفه ممثلاً لهذا النضال الصعب، يجب أن يُنظر إليه كتتويج لتضحيات سنين طوال. ولكي يتحقق هذا النصر بشكل مستدام، يجب أن يتمتع التحول السياسي بدعم شعبي غير مشروط ومستمر من القاعدة التي ولدت منه. هذا الدعم يترجم إلى انضباط سياسي، ورفض لأي دعوات للتشتيت، وإيمان بأن البناء يتطلب تضافر الجهود والتضحية بالرغبات الفردية من أجل الصالح العام.

ختامًا، يمكن القول إن فاتورة النضال التي دفعها أبناء الهامش هي أغلى ما يمتلك السودان من رأسمال أخلاقي لإنجاز التغيير. هذه الدماء الطاهرة تفرض التزامًا أخلاقيًا وسياسيًا على الجميع، خاصة أبناء الهامش أنفسهم، بالالتفاف الصادق والتجرد المطلق حول ثورة التحرير. الحماية الفعالة للتحول وتأمينه من مخاطر الانتكاسة تكمن في وحدة الصف والتخلص من آفات الانتماءات الضيقة التي استنزفت قوة السودان لعقود. إن الوحدة تحت لواء قيادة تناضل من أجل إنصاف الهامش هي السبيل الوحيد لضمان أن تصبح هذه التضحيات حقيقة مُعاشة في دولة ديمقراطية وعادلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!