
علي سانتينو
ما تمارسه الدولة الفرعونيّة تجاه السودان ليس خلاف مصالح، هو مشروع استعماري مكتمل الأركان، لم يتخلّص من عقدة الوصاية ولم يستوعب أن السودان دولة ذات سيادة، لست مزرعة خلفية ولا إقليم تابع للقاهرة. فالعقل الحاكم في مصر ما زال ينظر إلى السودان بعين المستعمر البغيض، أرض مستباحة وجيش تابع، ونخبة عميلة تُدار من خلف جدران المخابرات، لهذا لا ترى القاهرة في هذا الجيش مؤسسة وطنية مستقلة، بقدر ما تراه ملحقاً تابعاً لسراياها العسكرية، تتحكم في حركته وتحدد متى يتقدم ومتى يتأخر، ثم تخرج بخطاب فجّ عن الأمن القومي المصري، وكأن سيادة السودان بند ثانوي في دفتر أوهامها الإمبراطورية!
هذه الوقاحة السياسية لم تكن لتستمر لولا وجود وكلاء تاريخيين لها داخل السودان، قوى اجتماعية ونخب سياسية صعدت على أكتاف الاستعمار المصري وحُكمت البلاد عبره، ومنحت الامتيازات مقابل الولاء. هؤلاء هم الخطوط الحمراء والرصيد الحقيقي للقاهرة، وهم الخطر الأكبر على السودان والسودانيين، لأنهم يفتحون الأبواب من الداخل ويبررون الهيمنة باسم العلاقات الأخوية ووادي النيل!
ان اهم ما في حرب السودان الحالية، أنها ستسقط آخر الأقنعة. فالدعم المصري للجيش الذي تسيطر عليه القاهرة في الخفاء لم يعد سراً، فالعالم يراقب حجم العتاد الحربي والدعم الفني والتوجيهات السياسية، وتدخلات مباشر في القرار العسكري. ثم تأتي مسرحية الخطوط الحمراء والتحذيرات السيادية من قصر فرعون، وهي في حقيقتها لغة استعمارية بائسة، لا تصدر إلا عن دولة ترى نفسها فوق القانون الدولي، وفوق سيادة الآخرين!
أي مهزلة أكبر من أن يزور قائد الجيش عبد الفتاح البرهان القاهرة أكثر مما يزور مسقط رأسه، وأي إهانة أبلغ من أن تُدار مؤسسة عسكرية كاملة من عاصمة أجنبية. هذا ليس تحالفًا، هذا ارتهان كامل وفاضح للعمالة الأجنبية ولا علاقة له بمصالح السودان!
الآن فقد وصلت الوقاحة المصرية إلى ذروتها وهي تحاول في أثناء الأزمة أن نبش اتفاقية دفاع مشترك قُبرت منذ أربعة عقود، لتستخدمها ذريعة للتدخل في الشأن السوداني. اتفاقية منتهية الصلاحية، تُلوّح بها دولة مأزومة اقتصادياً لتغطي فشلها، متناسية أن أي مغامرة خارج حدودها ستكشف هشاشتها العسكرية، وتفضح جيشاً لم يحقق نصراً حقيقياً على مرّ العصور. أما الانحياز المصري لجيش البرهان الأيديولوجي هو ليس وليد اللحظة. فالقاهرة التي خططت لانقلاب 25 أكتوبر وأجهضت الانتقال المدنيّ في البلاد بعد ثورة ديسمبر، هي نفسها التي باركت حرب 15 أبريل، واصطفت مع الإخوان المسلمين، وحشدت قواتها الجوية في قاعدة مروي، وتحالفت مع واجهات قبلية وسياسية معروفة بولائها التقليدي لمصر، وحددت توقيت الانفجار الدموي في الخرطوم. هذا سجل أسود لا تمحوه البيانات!
ان بيان الرئاسة المصرية الأخير ليس سوى إعلان وصاية متأخر صادر عن عقل يعيش في الماضي، ويتجاهل أن مراكز النفوذ التي كانت القاهرة تتحكم فيها قد انهارت، وأن السودان قد تغيّر كُلياً وتحرر، وزمن التحكم عبر العملاء قد شارف على نهايته. لتفهم القاهرة جيداً ان السودان ليس تابعاً، ولن يكون، وأي محاولة لتجاوز الحدود السياسية أو الجغرافية ستصطدم بواقعٍ مختلف، واقع يعرّي المشروع الاستعماري المصري أمام العالم، ويضعه في حجمه الحقيقي. فسيادة السودان ليست ورقة تفاوض، ولن يحميها من باعوا أنفسهم بالعمالة، وان وعي الشعوب السودانية نضج وحطم كل قيود الوصايا والإستبداد المصري إلى الأبد.




