
سهيبة مريش
لطالما شكّلت المؤسسة العسكرية في السودان منذ تأسيسها على أنقاض جيش الإدارة الاستعمارية، مسارًا دمويًا ممتدًا عبر تاريخ البلاد الحديث. بدلًا من أن تكون درعًا لحماية الوطن وسيادة شعبه، تحولت في مراحل مفصلية إلى أداة قمع وتنكيل، ومرتعا للمتنفذين الذين استباحوا دماء المواطنين لتثبيت سلطتهم أو تصفية خصومهم.
من اللحظات الأولى لتشكيله، ورث الجيش بنية هرمية جامدة ومنطقًا أمنيًا مرتبطًا بالحفاظ على تماسك دولة الاستقلال الهشة، ما جعله عرضة للتدخل في السياسة. الانقلابات العسكرية المبكرة لم تكن مجرد تغيير للقيادة، بل كانت بداية لترسيخ عقلية تسلطية وإقصائية لدى النخب العسكرية، تحول معها الجيش إلى طبقة نفوذ واسعة تمتلك السلطة الاقتصادية والأمنية.
تاريخ الجيش السوداني ليس مجرد رواية رمزية، بل واقع ملموس من الوحشية المنظمة. في دارفور، على سبيل المثال، تحولت الأدوات العسكرية إلى ميليشيات نفذت إبادة جماعية ممنهجة بحق مجموعات عرقية محددة، وهي فظائع أثارت اهتمام المحكمة الجنائية الدولية. الاستباحة الممنهجة للدم لم تقتصر على مناطق النزاع التقليدية، بل شملت أيضًا قمع المظاهرات السلمية في الخرطوم والولايات، حيث واجه المواطنون الرصاص بدلًا من الاستجابة لمطالبهم المشروعة بالحرية والعدالة.
وحشية القيادة العسكرية تتجلى في سعي القادة للسلطة المطلقة وإلغاء أي مساءلة. القرارات المصيرية بشأن الحرب والسلام أو تقسيم الثروة تُتخذ بعيدًا عن المؤسسات المدنية، مما يضمن استمرار الإفلات من العقاب. هذه العقلية خلقت ثقافة مؤسسية تدعم الانتهاك، حيث يصبح القائد فوق القانون، وحياة المواطن رخيصة مقارنة بمصالح المؤسسة.
الغائب الأكبر في هذه السلسلة التاريخية هو الضمير الدولي الفعّال تجاه القضايا المصيرية للشعب السوداني. على الرغم من تقارير الانتهاكات المستمرة، ظلت الاستجابة الدولية مترددة، مركزة على حفظ التوازنات الإقليمية الهشة بدلًا من محاسبة مرتكبي الجرائم. هذا الصمت منح القادة العسكريين ضوءًا أخضر لمواصلة سياساتهم الدموية، وعزز لدى النخب العسكرية الشعور بالإفلات من العقاب.
وفي هذا السياق، يمثل عبد الفتاح البرهان نموذجًا صارخًا للعقلية العسكرية السفاحة. بعد لعبه دورًا في إسقاط نظام البشير، انقلب على المدنيين في أكتوبر 2021 وأغلق الباب أمام أي انتقال ديمقراطي حقيقي. مع اندلاع الصراع في أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، أصبحت المؤسسة العسكرية طرفًا أساسيًا في تدمير البلاد، ما أدى إلى نزوح ملايين المدنيين، انهيار البنية التحتية، وتدمير الاقتصاد.
معارك الخرطوم والمدن الأخرى اتسمت بانتهاكات جسيمة شملت استهداف المدنيين، النهب المنظم، واستخدام الأسلحة الثقيلة في مناطق سكنية مكتظة. هذه الأفعال تذكّر بأسوأ فصول تاريخ الجيش، وتُظهر البرهان كرمز حديث للقيادة التي تفضّل البقاء في السلطة على حماية شعبها، متجاهلة نداءات العدالة الدولية والإنسانية.
منذ التأسيس وحتى اليوم، أثبت الجيش السوداني أنه هش أمام الإغراءات السلطوية، وأن قياداته استباحوا دماء شعبهم بشكل متكرر، محولين المؤسسة إلى أداة اضطهاد. غياب الإرادة الدولية الحازمة للمحاسبة جعل هذه الدورة الدموية مستمرة، والبرهان اليوم هو شاهد حي على استمرار نموذج السفاح في قيادة الجيش، ما لم يحدث تغيير جذري في عقيدته ومسؤوليته أمام القانون والشعب.




