
إيمان بدرالدين: وواشنطون الكبري
لطالما أثار التمييز بين الدولة والحكومة في السودان جدلاً واسعًا، خاصة خلال التحولات السياسية الكبرى التي شهدها البلد منذ العشرية الأولى للحركة الإسلامية مرورًا باتفاقية نيفاشا عام 2005 وحتى ثورة ديسمبر 2018. ومن المهم التوضيح أن الدولة بمفهومها الشامل تختلف عن الحكومة التي تمثل الأداة التنفيذية لتطبيق السياسات، سواء كانت حزبية أو مؤسساتية.
في العشرية الأولى للحركة الإسلامية، كانت الدولة موجودة كمؤسسات وسيادة، لكنها في الواقع كانت تحت سيطرة جناح سياسي محدد، يتصرف كالحاكم الفعلي للبلاد، ويستخدم مؤسسات الدولة، من جيش وأمن ومليشيات، لأهداف حزبية وإيديولوجية. هذا يتضح جليًا من الحرب في الجنوب، التي اعتُبرت حربًا جهادية من قبل الجناح الحاكم، وانتهت بالفشل العسكري، ما دفع الطرفين إلى الدخول في مفاوضات أدت إلى اتفاقية نيفاشا، ومن ثم انفصال جنوب السودان، مع بقاء الشمال تحت حكم الشريعة الإسلامية كما نصت عليها الاتفاقية.
كما أن الفترة التي أعقبت انفصال الجنوب شهدت استمرار النزاعات في مناطق مثل جنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان، حيث عادت مؤسسات الدولة السابقة للعمل عبر أطر حزبية وعسكرية محددة، وأدت إلى إشعال نزاعات جديدة. هذا يشير إلى أن الحكومة كانت تتحرك كأداة تنفيذية للقوى السياسية، بينما الدولة كمؤسسة شاملة لم تكن هي المسيطرة الفعلية في تلك المراحل.
تأسيس قوات الدعم السريع جاء في عام 2013 ضمن هيكل الجيش والقوات المسلحة، وهو ما زاد من تعقيد العلاقة بين الدولة والحكومة، إذ أصبحت هذه القوات جزءًا من الأجهزة الأمنية والعسكرية التي تخضع لتوجيهات الحكومة الحزبية. ولا يمكن إنكار الدور الكبير الذي لعبته هذه القوات في السيطرة على مناطق النزاع وحماية مصالح محددة، ما يوضح مرة أخرى الفرق بين السلطة التنفيذية (الحكومة) والإطار المؤسساتي للدولة.
كما أن تصريحات بعض الشخصيات السياسية التي تمجد الدعم السريع أو تطرح سياسات بعينها غالبًا ما تختلط فيها المفاهيم بين الدولة والحكومة، وهو ما يستدعي فهمًا دقيقًا للتاريخ السياسي الحديث، خصوصًا في الفترات التي شهدت الصراعات المسلحة والتوترات الإقليمية.
من هذا المنطلق، يمكن القول إن التاريخ السياسي الحديث للسودان يعكس تداخلًا واضحًا بين الدولة والحكومة، مع تباين في ممارسات السلطة بين الأطر الرسمية والإيديولوجية، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على التحليل السياسي لفهم مواقف الأطراف المختلفة وتقييم تأثيرها على المجتمع والسياسات الوطنية.




