رأي

صراع الأجندات في مجلس الأمن… والسودان بين رهانات الحرب واستحقاقات السلام

محمد حسين

 

مستشار محمد حسين

شهدت أروقة الأمم المتحدة مساء أمس جلسة دبلوماسية ساخنة حول الأزمة السودانية، عكست بوضوح حجم الانقسام الدولي تجاه مسار الحل. فقد بدا مجلس الأمن ساحةً لتقاطع الأجندات، بين محورٍ يدفع باتجاه إنهاء معاناة الشعب السوداني عبر تسوية تفاوضية عاجلة، وآخر لا يزال يتعامل مع المشهد من زاوية اصطفافات سياسية وحسابات إقليمية معقدة.

الجلسة كشفت أن المجتمع الدولي بات أكثر إدراكاً لخطورة استمرار الحرب، لا سيما في ظل التدهور الإنساني غير المسبوق. فبينما تتمسك سلطة الأمر الواقع في بورتسودان بخيار الحسم العسكري، وتواجه اتهامات متكررة بتعطيل وصول المساعدات الإنسانية، يطرح الدعم السريع نفسه كطرف منفتح – وفق خطابه – على مسارات التفاوض، مستشهداً بمنابر مثل جنيف، والمبادرات الأفريقية، ومنبر جدة برعاية المملكة العربية السعودية، مع تأكيده المتكرر على أولوية حماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية.

في هذا السياق، جاء خطاب ممثل دولة الإمارات العربية المتحدة واضحاً في الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار، والتوجه الجاد نحو حل سياسي شامل، مع تسليط الضوء على الكارثة الإنسانية المتفاقمة. كما رفض ما وصفه بمحاولات تبادل الاتهامات التي لا تخدم سوى إطالة أمد الصراع، معتبراً أن المرحلة تتطلب مسؤولية جماعية تتجاوز الحسابات الضيقة.

أما المملكة العربية السعودية، فقد حافظت على موقعها كوسيط رئيسي، مجددة التأكيد على أن الحل العسكري غير ممكن، وأن العودة إلى طاولة المفاوضات هي الخيار الوحيد القابل للاستدامة. رسالتها حملت إشارات واضحة بضرورة تحمّل الأطراف السودانية مسؤولياتها، والقبول بتسوية تضع مصلحة الشعب فوق أي اعتبارات أخرى.

في المقابل، واصلت جمهورية مصر العربية دعمها لمؤسسة الجيش باعتبارها من وجهة نظرها ركيزة الدولة السودانية. غير أن هذا الموقف يواجه انتقادات من بعض الأطراف التي ترى أنه لا يعكس التعقيد الكامل للواقع الميداني، وقد يساهم  بشكل غير مباشر في إطالة أمد الحرب إذا لم يقترن بدفع متوازن نحو حل شامل يضم جميع القوى الفاعلة.

الخطاب الأميركي كان الأكثر صراحة وحدّة. فقد أكدت المندوبة الدائمة للولايات المتحدة أن استمرار استهداف المدنيين وقصف الأسواق والمنازل ومصادر المياه أمر غير مقبول، وشددت على أن أي سلطة تعجز عن حماية مواطنيها أو ضمان وصول الغذاء والدواء لا يمكنها الادعاء بتمثيل الإرادة الشعبية. كما أشارت إلى مخاوف من تأثير عناصر النظام السابق على القرار العسكري، معتبرة أن ذلك يعقّد فرص الوصول إلى تسوية سياسية.

في المقابل، اتسم خطاب ممثل الجيش بنبرة دفاعية وهجومية في آنٍ معاً، إذ ركز على اتهام الدعم السريع بالإرهاب وتحميله مسؤولية ما يجري، مع توجيه انتقادات لبعض الدول الداعية لوقف إطلاق النار. غير أن أجواء المجلس أوحت بأن كثيراً من الأعضاء باتوا أقل اهتماماً بتبادل الاتهامات، وأكثر تركيزاً على وقف نزيف الدم الذي يدفع ثمنه المدنيون يومياً.

خلاصة المشهد أن مجلس الأمن لم يكن منقسماً حول خطورة الوضع في السودان، بل حول كيفية إدارة مخرجه. وبين صراع الأجندات وتضارب المصالح، يبقى السؤال الجوهري: إلى متى يظل الشعب السوداني رهينة لحسابات السلاح والسياسة، فيما تتآكل الدولة تحت وطأة الحرب والجوع والمرض؟

إن الرسالة التي خرجت من الجلسة، رغم اختلاف نبراتها، تؤكد حقيقة واحدة: لا غالب في هذه الحرب، وأن السلام لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة وجودية لبقاء السودان نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!