رأي

هندسة الدولة قبل هندسة الامتحانات: قراءة في قرار الشهادة السودانية داخل مناطق السيطرة

م. جبريل حسن أحمد

 

متاريس سودانية :المهندس/ جبريل حسن أحمد

في لحظات الحرب تتكثّف الأسئلة الكبرى، وتصبح القرارات العامة محمّلة بأكثر من معناها الإداري المباشر. ومن بين هذه القرارات يبرز قرار إقامة امتحانات الشهادة السودانية داخل مناطق السيطرة بوصفه خطوة تثير نقاشاً مشروعاً حول العدالة، والتخطيط، وأولويات بناء الدولة.

ليس الخلاف حول أهمية التعليم أو ضرورة إنقاذ عام دراسي ضائع؛ فالتعليم يظل ركيزة أساسية لبقاء المجتمعات واستمرارها. لكن الإشكال يكمن في السياق الذي يصدر فيه القرار، ومدى انسجامه مع بيئة حرب مضطربة، ومع غياب تقويم دراسي شامل يحدد المسار الزمني لاستدامة العملية التعليمية في مراحلها المختلفة، من الأساس وحتى التعليم العالي.

إن إقامة امتحانات قومية في ظل أوضاع غير مستقرة تطرح تساؤلات موضوعية حول عدالة المنافسة بين الطلاب. هل تتوفر مناهج موحّدة في جميع مناطق السيطرة؟ هل اكتمل التقويم الدراسي بصورة متوازنة؟ هل شُكّلت لجان الامتحانات وأعمال الكنترول وفق معايير مهنية تضمن النزاهة والحياد؟ هذه الأسئلة ليست اعتراضاً سياسياً، بل استحقاقات فنية تسبق أي قرار ذي طابع قومي.

كما أن الطلاب في مناطق مثل كاودا وغيرها يعيشون ظروفاً تعليمية مختلفة من حيث البيئة، والإمكانات، والاستقرار النفسي. ومن غير المنصف إغفال الأثر النفسي للحرب على البنية الذهنية للطلاب، أو القفز فوق الحاجة إلى منهج بديل أو استثنائي يراعي سنوات الانقطاع والضغط النفسي، ويضمن توازناً بين حق التعلم ومتطلبات العدالة الأكاديمية.

القضية، في جوهرها، ليست امتحاناً فحسب، بل سؤالاً أوسع يتعلق بهياكل الدولة ذاتها. فالتعليم في أي دولة حديثة يخضع لمنظومة مؤسسية واضحة: وزارة مختصة، مجالس تشريعية، لوائح ومعايير قياس، وسلطة تنفيذية تعمل وفق دستور متوافق عليه. وعندما تغيب هذه البنية أو تكون في طور التشكّل، يصبح أي قرار استراتيجي عرضة للجدل حول شرعيته الفنية والتنظيمية.

من هنا تبرز أولوية بناء هياكل الدولة قبل الدخول في قرارات كبرى تمس مستقبل أجيال كاملة. إن الإجابة على السؤال الجوهري: كيف يُحكم السودان؟ تسبق، من حيث المنطق المؤسسي، الإجابة على أسئلة الإدارة اليومية. فوجود هيكل دولة واضح يوفّر المرجعية التي تُبنى عليها السياسات، ويمنع تكرار قرارات قد تُفسَّر باعتبارها متعجلة أو غير مكتملة الدراسة.

لا أحد ينكر رغبة الأسر في أن يرى أبناؤها مستقبلاً أفضل، ولا أحد يقلّل من شغف الطلاب بالعودة إلى مقاعد الدراسة. لكن حماية هذا الحق تتطلب تخطيطاً متكاملاً، ومشاركة أوسع لمكوّنات التحالفات والقوى المجتمعية، وإشراك الكفاءات التربوية المتخصصة في صياغة أي مسار تعليمي استثنائي.

إن حسم الحرب، بالتوازي مع إعادة تقييم مشروع التغيير وتوسيع قاعدة المشاركة وفق معايير فكرية وتنظيمية جديدة، يظل مدخلاً أكثر صلابة لبناء دولة قادرة على اتخاذ قرارات تعليمية عادلة ومستدامة.

فالتعليم ليس ورقة سياسية تُستخدم في لحظة أزمة، بل ثابت وطني تُنظمه الدساتير، وتضبطه القوانين، وتحميه المؤسسات. وبدون هندسة واضحة للدولة، سيظل أي مسار إصلاحي مهدداً بالتعثر، مهما حسنت النوايا.

مع خالص الاحترام،

المهندس/ جبريل حسن أحمد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!