رأي

سقوط القلم

فاطمة لقاوة

 

فاطمة لقاوة

في أزمنة الحروب، قد تكون الكلمة أخطر من الرصاصة؛ فهي قادرة على التحريض والتضليل وتزييف الوعي حين تُستخدم بلا مسؤولية. وما يكتبه الطاهر ساتي عن الفريق أول محمد حمدان دقلو، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة السلام والوحدة ورئيس تحالف تأسيس وقائد قوات الدعم السريع، لا يخرج – في تقديري – عن هذا السياق؛ إذ يتحول المقال من مساحة للرأي إلى منصة تعبئة، ومن تحليل سياسي إلى خطاب شماتة مشحون بالكراهية.

حين يعجز الكاتب عن حسم الوقائع بالأدلة، يلجأ أحياناً إلى صناعة “نهايات رمزية”، ويُكثر من عبارات توحي بالحسم، وكأن التكرار يمكن أن يصنع حقيقة. غير أن السياسة لا تُدار بالانطباعات، ولا تُحسم بالبلاغة وحدها. من يريد إقناع الناس بانهيار خصمه لا يحتاج إلى هذا القدر من الإصرار اللفظي؛ فالوقائع، إن كانت دامغة، تتحدث بنفسها.

الأخطر في هذا النوع من الخطاب أنه لا يستهدف شخصاً بعينه فحسب، بل ينسحب ضمنياً على مجتمعات كاملة، يصوّرها كأنها “حواضن ساذجة”، وكأنها مجرد أدوات في مشهد صراع. وهذا تبسيط مخلّ لواقع اجتماعي معقّد، وإجحاف بتاريخ طويل من التهميش في دارفور وكردفان، حيث تتداخل العوامل السياسية والاقتصادية والأمنية في تشكيل المواقف والانحيازات.

الصحافة التي تسخر من الضحايا أو تختزل المأساة في عبارات ساخرة تفقد أخلاقها قبل أن تفقد مصداقيتها. كما أن تصوير المشهد باعتباره مطاردة محسومة ونصراً مكتملاً يتناقض مع واقع حرب ما زالت مستمرة، وصراع مفتوح على احتمالات متعددة. فإذا كانت المعادلة محسومة كما يُقال، فلماذا لم تُحسم بعد؟ ولماذا ما زالت البلاد تعيش حالة استنزاف سياسي وعسكري وإنساني؟

ثمة تناقض واضح بين نبرة الانتصار المطلق وبين واقع معقّد تتداخل فيه السيطرة الميدانية مع تحديات الإدارة والحكم والاستقرار. اختزال هذا المشهد في سردية واحدة لا يخدم الحقيقة، بل يكرّس الانقسام.

السودان لا يحتاج إلى أقلام تؤجج الثأر، بل إلى أصوات تعترف بتعقيد الأزمة وتسعى إلى تفكيك جذورها: احتكار القوة، اختلال توزيع الثروة، فشل النخب المركزية، وغياب مشروع وطني جامع. تحويل المعركة إلى تصفية حسابات شخصية لن يبني دولة، بل سيعمّق الشروخ القائمة.

الصحافة ليست منبراً للشماتة ولا مسرحاً لتصفية الأحقاد. وعندما ينحدر القلم إلى مستوى التحريض، يسقط صاحبه أخلاقياً قبل أن يسقط خصمه سياسياً. فالتاريخ لا يحفظ من كتبوا غضبهم، بل من كتبوا الحقيقة بشجاعة واتزان.

في زمن الانقسام، أول ما نحتاجه ليس فضح الأشخاص، بل نقد الخطاب الذي يختزل الوطن في مواجهة بين جنرالين، ويضع الحقيقة في زاوية رأي متطرف.

فالأوطان لا تُبنى بالصراخ، بل بالبصيرة.

ولنا عودة بإذن الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!