
حامد نحوله
تظلّ الفتنة واحدة من أخطر الظواهر التي تهدد تماسك المجتمعات واستقرارها، فهي لا تنشأ من فراغ، ولا تشتعل صدفة، بل تتغذى على مصالح ضيقة، وظروف اجتماعية معقدة، وأحياناً على سوء الفهم وضعف الوعي. وتختلف مسبباتها من مجتمع إلى آخر، غير أن القاسم المشترك بينها جميعاً هو استغلال لحظات الهشاشة لإشعال نار الخلاف وبث الفرقة بين الناس.
إن التعامل الرشيد مع الفتن يبدأ بفهم أسبابها فهماً عميقاً، والنظر إليها من جميع الزوايا، بعيداً عن ردود الأفعال المتسرعة. فدراسة الدوافع الكامنة وراء إثارة النزاعات تمثل الخطوة الأولى لإغلاق الطريق أمام الأطراف التي تسعى لزرع الشقاق وتحقيق مكاسب شخصية على حساب الاستقرار الاجتماعي. كما أن نشر ثقافة الحوار والتقريب بين وجهات النظر يشكل صمام أمان حقيقياً في مواجهة ثقافة الاتهام والتشكيك وسوء الظن، التي لا تنتج سوى مزيد من الأحقاد والانقسامات.
ويمثل الوعي المجتمعي حجر الزاوية في احتواء الفتن؛ فالشخص الواعي أشبه بمن يصب الماء على النار، بينما يختار غيره، عن جهل أو اندفاع، صب الزيت عليها. إن الفتنة مرض اجتماعي خطير، يبدأ بخلاف بسيط، ثم يتطور إلى حالة من التوتر والصدام، وقد يفضي إلى تفكك النسيج الاجتماعي إذا لم يُعالج بالحكمة والتبصر.
إن التمييز الدقيق بين الحق والباطل، والخير والشر، مسؤولية تقع على عاتق أصحاب العقول الراجحة. فهناك من يسعى إلى استغلال العواطف لإثارة قضايا هامشية، أو لتأليب الرأي العام ضد فئات بعينها، بدوافع الانتقام أو البحث عن نفوذ اجتماعي زائف. ومثل هذه السلوكيات لا تخدم إلا مشاريع الانقسام، ولا تضيف للمجتمع سوى مزيد من الاحتقان.
إن المجتمعات التي تُحكّم العقل وتتجنب الانجرار وراء الشائعات والمواقف الارتجالية، قادرة على تجاوز الأزمات بأقل الخسائر. أما المجتمعات التي تستسلم للعاطفة المنفلتة والتسرع في إطلاق الأحكام، فإنها تمنح الفتنة بيئة خصبة للنمو والتمدد.
إن المسؤولية الجماعية تقتضي الوقوف مع دعاة الإصلاح، ونشر ثقافة التعاون والتسامح، وتعزيز قيم الحوار والاحترام المتبادل. فالمعركة الحقيقية ليست بين أفراد المجتمع، بل بين وعيٍ يحفظ التماسك، وجهلٍ يهدد بتفكيكه.
نسأل الله أن يحفظ أهلنا وأبناء مجتمعاتنا من كل شر، وأن يجنب وطننا دروب الفتن، ويهدي الجميع إلى ما فيه خير البلاد والعباد.



