رأي

إشكالية التعامل مع قنوات تبث السموم: أسئلة تحتاج إلى إجابات حاسمة.

سهيبة مريش

 

سهيبه مريش

تُمثل العلاقة بين الدولة ومؤسساتها الإعلامية من جهة، وبين القنوات الفض ائية والإلكترونية التي تبث من داخل مناطق نفوذها أو تُبث إليها وتوجه لها الاتهامات الصارخة والتخوين المستمر، تحديًا وجوديًا بالغ التعقيد. إن طرح التساؤلات حول استمرار عمل هذه القنوات وتلقيها التعامل الرسمي، رغم أجندتها الواضحة في التحريض وتفكيك النسيج الاجتماعي وتشويه السمعة، هو بحد ذاته اعتراف بوجود ثغرة استراتيجية وأمنية وسياسية يجب معالجتها. هذه الأسئلة ليست مجرد تساؤلات عابرة بل هي جوهر تقييم مدى فعالية الدولة في حماية مصالحها الوطنية العليا.

أولى هذه التساؤلات وأكثرها إلحاحًا هي: ما الذي يجعل قنوات تكيل السباب إلينا وتوجه الاتهامات تعمل في مناطق سيطرتنا ويتم التعامل معها ككيانات طبيعية؟ الإجابة تكمن غالبًا في تعقيدات البيئة التشريعية، أو ربما التقديرات الاستخباراتية التي تضع أولوية للحفاظ على قدر من الانفتاح الظاهري، أو حتى التراخي في تطبيق القوانين المتعلقة بالإعلام والتحريض. عندما يتم السماح لقنوات مثل الجزيره والحدث ان تمارس التشهير الممنهج ضد مؤسسات الدولة أو القادة بالتواجد المكتبي أو بالتفاعل التجاري معها، فإن ذلك يرسل رسالة مفادها أن هناك هامشًا مقبولاً للإساءة، وهو هامش قد تستغله هذه الجهات لتوسيع نفوذها التخريبي.

يتعمق التناقض عند النظر في السؤال التالي: ما الذي يجعل قنوات تكيل الاتهامات إلينا ولديها مراسلين بمناطق سيطرتنا؟ هذا يمثل اختراقًا أمنيًا ومعلوماتيًا خطيرًا. وجود مراسلين ميدانيين لجهات إعلامية معادية أو متحيزة يعني توفير مصدر معلومات حي وموثوق لأجندتها التضليلية. هؤلاء المراسلون غالبًا ما يعملون تحت غطاء العمل الصحفي لجمع معلومات قد تستخدم لاحقاً لتقويض الموقف الأمني أو لتأكيد السرديات السلبية عن الدولة. إن استمرارهم يعني أن هناك آلية فشل في تحديد هوية هؤلاء الأفراد أو في مساءلتهم عن طبيعة تقاريرهم التي تتجاوز الحياد المهني إلى التحريض المباشر.

النقطة الثالثة تتصل بالتناقض المؤسسي: ما الذي يجعل قنوات تصفنا بالمليشيا ولديها مكاتب في مناطق سيطرتنا؟ هذا الوضع يبرز فشلاً ذريعًا في إدارة ملف الإعلام الداخلي والخارجي. وصف مؤسسات الدولة الشرعية أو القوات المسلحة بـ المليشيا&هو إعلان صريح عن موقف عدائي يهدف إلى نزع الشرعية عن الدولة في الداخل والخارج. التعامل مع هذه القنوات عبر استضافة ممثلين لها أو منحهم تراخيص عمل هو بمثابة منحهم منصة لتقويض الشرعية الذاتية للدولة. هذا يفتح الباب أمام تساؤلات حول مصالح بعض الأفراد أو الجهات التي قد تكون وراء تسهيل عمل هذه المكاتب، سواء كانت مصالح اقتصادية أو سياسية باطنية.

أما التساؤل الأكثر حساسية في السياق السياسي فهو: ما الذي يجعل قنوات تستضيف أبواق الحركة الإسلامية على مدار 24 ساعة وترفض استضافة سياسي تأسيسي ويتم التعامل معها؟ هذا يكشف عن تحيز منهجي واضح يستهدف تشكيل الرأي العام باتجاه أجندات معينة، غالبًا ما تكون متطرفة أو معارضة للمسار التنموي والاستقرار. عندما يكون هناك تفضيل ممنهج لاستضافة وجهات نظر متشددة أو مثيرة للجدل، بينما يتم تهميش الأصوات الداعمة للبناء والاستقرار، فإن ذلك يعني أن هذه القنوات لا تعمل كإعلام مستقل بل كأداة توجيه سياسي لصالح أجندات محددة. التعامل معها يستلزم مراجعة جذرية لآليات الترخيص والتفاعل الإعلامي الرسمي.

ويتجسد الهدف التخريبي لهذه القنوات في سؤال آخر: ما الذي يجعل قنوات كل هدفها تجريمنا وتجريم قادتنا وتغض الطرف عن إخوان الحركة الإسلامية؟ هذا يؤكد الطبيعة الانتقائية والموجهة للحملات الإعلامية. التجريم الممنهج يهدف إلى إضعاف القيادة وخلق حالة من عدم الثقة بين الشعب ومؤسساته. في المقابل، فإن التغاضي عن ممارسات الفصائل المعادية أو المتعاونة مع تلك القنوات يشير إلى مساومات غير معلنة أو ضعف في القدرة على فرض معيار النشر المتساوي والعادل، مما يفاقم الانقسام.

إن التأثير المدمر لهذه القنوات يتضح في مناطق النزاع الهشة مثل دارفور وكردفان، حيث يطرح السؤال: ما الذي يجعل قنوات تعمل تفكيك النسيج الاجتماعي في دارفور وكردفان ويتم التعامل معها؟ في هذه المناطق التي تحتاج إلى خطاب تصالحي وبناء ثقة، تستغل بعض القنوات هذه الحساسية لصب الزيت على النار، من خلال تضخيم الخلافات العرقية والقبلية وتأطير الصراعات كحرب شاملة ضد فئة معينة. استمرار بث هذه المواد يعني إعطاء ضوء أخضر لعمليات تقويض الوحدة الوطنية من قِبل جهات يُفترض أن الدولة تملك أدوات لجمها.

تتجه الأسئلة في النهاية نحو مسؤولية الدولة عن الفعل والتقاعس: ما الذي يمنع هذه القنوات من نشر الاستقرار في مناطق سيطرتنا؟ وما الذي يمنع من اتخاذ قرارات وإجراءات صارمة ورسمية ضد هذه القنوات؟ الإجابة غالبًا ما تكون مزيجاً من التردد السياسي، أو تعقيدات إقليمية ودولية تمنع المواجهة المباشرة، أو الخوف من أن يؤدي الرد الصارم إلى تصعيد أكبر يضر بالمصالح الأوسع. ومع ذلك، فإن استمرار الضرر الداخلي الناتج عن هذه القنوات يتجاوز بكثير أي مخاطر متوقعة من إجراء حازم. إن الحفاظ على الأمن القومي والنسيج الاجتماعي يتطلب وقفة حاسمة تضع مصالح الدولة فوق اعتبارات التعامل المرن أو المخاوف من ردود الأفعال العابرة. إن الصمت أو التراخي أمام خطاب الكراهية والتخريب الممنهج هو بحد ذاته قرار سياسي، وقد يكون هذا القرار هو السبب الأكبر وراء استمرار عمل هذه القنوات التي تحولت إلى أدوات لتقويض الدولة من الداخل. إن استعادة السيطرة على الفضاء الإعلامي، خاصة فيما يتعلق بالكيانات التي تعمل من قلب الدولة، هو خطوة ضرورية لإعادة بناء الثقة وضمان الاستقرار المستدام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!