رأي

الفاشر ليست بلا ذاكرة

محمد تاج الدين الحلو

 

محمد الحلو 

تابعت الفيديو البكائي لسيد متاوي وهو يتحدث عن دمار الفاشر، فازددت يقينًا أن المشكلة ليست في ما حدث، بل فيمن يحاول إعادة كتابة ما حدث. الرجل يتحدث وكأن ذاكرة الناس تالفة، وكأن الفاشر سقطت من السماء دفعة واحدة، بلا مقدمات، بلا مواقف، بلا قرارات غيّرت مسار الإقليم كله.

الفاشر كانت آمنة. نعم، كانت آمنة.

وكان ذلك نتيجة اتفاق واضح بينكم وبين قادة الدعم السريع عندما اخترتم ما سُمي يومها بالحياد “التكتيكي”، كما قال إبراهيم الماظ في اللقاء الذي جمعكم. في تلك المرحلة لم تكن دارفور ساحة حرب مفتوحة، ولم تكن الفاشر مدينة أشباح.

وقيل لك بوضوح: اعتبر الإقليم تحت سيادتك بصفتك حاكمًا له، حفاظًا على أرواح أهل دارفور. كانت فرصة لتجنيب الإقليم الكارثة. فرصة لحماية المدنيين. فرصة لتثبيت الاستقرار.

لكن ماذا حدث بعد ذلك؟

انتهى الحياد، وانفتح الباب للمعركة، ونُقل الصراع إلى دارفور بكل ثقله، وكأن المطلوب أن تتحول أرض الإقليم إلى مسرح لتصفية الحسابات. فكانت النتيجة ما نراه اليوم: مدينة مدمرة، أسر مشرّدة، شباب قُتلوا في المشتركة، وبيوت صارت ركامًا.

ثم يأتي من يتحدث بدموع متأخرة، وكأن يده لم تكن في القرار، وكأن اختياراته السياسية لم تُسهم في إشعال النار.

رهانكم الدائم كان اللعب على التناقضات المجتمعية. إثارة حساسيات، وتحريك ولاءات، ودفع الناس ليقاتلوا بعضهم البعض بينما تبقى النخب تفاوض وتحسب المكاسب. لكن هذه المرة خاب الرهان. وعي إنسان دارفور لم يعد كما كان. لم تعد الشعارات تكفي، ولم يعد التخويف يجدي.

مستريحة بأبنائها، والطينة وكرنوي بأبنائها، رسائل واضحة أن المجتمع قادر على إسقاط المخططات حين يدرك أن الهدف هو تفكيكه لا حمايته.

من يضع يده في يد من شرّدوا الناس وقتلوا أبناء جلدتهم لا يمكنه أن يتحدث بلغة البراءة المطلقة. ومن يبدّل مواقفه وفق ما تقتضيه اللحظة السياسية لا يحق له أن يتعامل مع ذاكرة الناس باعتبارها قصيرة أو معطوبة.

الفاشر ليست بلا ذاكرة.

وأهلها ليسوا بلا وعي.

والدم الذي سُفك ليس رقمًا في خطاب.

قد تستطيع السياسة أن تبرر، وأن تناور، وأن تعيد ترتيب الكلمات. لكن أمام التاريخ، وأمام الضحايا، وأمام عدالة السماء، تبقى الحقيقة عارية: القرارات لها ثمن، وقد دفعته الفاشر من دمها وبيوتها.

وعند الله تجتمع الخصوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!