رأي

صالح الفوتي… سيرة قائد لا يشبه إلا نفسه

طروم المحترمين

 

طروم المحترمين

ليس من السهل أن تختصر رجلاً في كلمات، حين يكون حضوره أوسع من العبارة، وأثره أعمق من السطور. اللواء صالح الفوتي واحد من أولئك الذين لا يُعرَّفون بالمناصب، بل بالمواقف؛ ولا تُقاس قيمتهم بما يقال عنهم، بل بما يتركوه في نفوس من عرفوهم ورافقوهم في دروب الشدة.

عرفته منذ منتصف الألفينات قائداً بارزاً في ميادين صعبة، حيث كانت القرارات تُتخذ تحت ضغط اللحظة، وتُقاس النتائج بحجم التضحية. كان حاضراً بعقله الراجح قبل سلاحه، وبهدوئه المتزن قبل صوته العالي. لم يكن ممن ينجرفون وراء الانفعال، بل كان يرى أبعد من اللحظة، ويزن الأمور بميزان الحكمة والدهاء.

حين التقينا به ضمن برنامجنا الشهير “برنامج مع القائد”، كانت دياره مفتوحة كعادته، وصدره أوسع من الطريق. استقبلنا بابتسامة صادقة، ووجه بشوش يشي بأصالة لا تصطنع. في حديثه لمستُ معنى الرجل البدوي الكريم؛ الذي يعطي بلا منّ، ويُكرم بلا حساب، ويحتفي بضيوفه كأنهم أهله. كان يرى في الضيافة قيمة، وفي التواصل مسؤولية، وفي الاحترام واجباً لا يُؤجل.

غير أن صورة الفوتي لا تكتمل إلا في ساحات المواجهة. هناك، يتحول الهدوء إلى حزم، واللين إلى حسام. في معارك كبرى خاضها مع رفاقه، كان “أسداً شرساً” لا يهاب التحديات، يقود بعزيمة ويُلهِم من حوله معنى الثبات. تحرير الفرقة الأولى كان علامة فارقة في مسيرته؛ محطة كشفت عن قدرته على الجمع بين الشجاعة والتخطيط، وبين الجرأة والصبر.

الأبطال قلائل، وأمثاله فصيلة نادرة. لا لأنهم ينتصرون فحسب، بل لأنهم يغرسون في الآخرين قيماً تبقى بعد المعركة. من الفوتي تعلمنا أن القوة ليست صخباً، وأن الإقدام لا يعني التهور، وأن الصبر هو سلاح القائد حين تضيق الخيارات. كان يقول بالفعل قبل القول إن الطريق الطويل لا يُقطع إلا بإرادة لا تنكسر.

وإذا سألنا: كيف نكافئ رجلاً كهذا؟ فالمال لا يوازي الموقف، والكلمات لا تسدّ دين الوفاء. المكافأة الحقيقية أن نمضي على الدرب الذي دلّنا عليه؛ أن نصبر كما صبر، وأن نثبت كما ثبت، وأن نستمر حتى النهاية المرجوة مهما تعاظمت التحديات.

الفوتي بالنسبة لي ليس قائداً فحسب، بل صديقاً وقدوة مقتدرة. رجل عرفته الشعوب التي تأبى الانكسار، وأدركت فيه معنى الكرامة حين تُصان، والقوة حين تُستخدم دفاعاً لا اعتداءً. أسأل الله أن يحفظه، وأن يجزيه عن أهله ورفاقه خير الجزاء، وأن يظل اسمه مرتبطاً بكل موقف عزيز وشجاع.

تأسيس لم تأتِ بالهين اللين… وإنما برجال من طينةٍ صلبة، يعرفون كيف يصنعون المعنى قبل أن يصنعوا الحدث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!