رأي

الدبلوماسية السودانية وإشكالية الهوية: قراءة نقدية في مسارات الإقصاء وآليات البناء الوطني (1956–2026):  (1–3)

دكتور صابر ابو سعدية

 

دكتور صابر أبو سعدية (أفريكا)

المدير التنفيذي لمركز أبنتو للسلام والدراسات الاستراتيجية

28 فبراير 2026

مقدمة

في خضم عالم يضج بالصراعات والتوترات، تبقى الدبلوماسية طوق النجاة الأخير والسبيل الأرقى لبناء الجسور بين وجهات النظر والمصالح المختلفة. وقد درجت البشرية على تعريف الدبلوماسية باعتبارها «فن التفاوض» أو «الحرب اللطيفة بدلًا عن العنف». غير أن هذه النظرة المثالية كثيرًا ما تُخفي وجهًا آخر لها؛ فهي ليست مجرد أداة لصنع السلام، بل يمكنها عبر التاريخ أن تكون أيضًا وسيلة لخلق الحروب وتأجيجها، أو للفشل في إدارة التنوع بما يؤدي إلى انفجار الصراعات.

تهدف هذه الدراسة إلى تعريف القارئ السوداني بقضية الدبلوماسية عالميًا، والإشكالية الجدلية للدبلوماسية عبر التاريخ بوصفها قادرة على نسج السلام أو فك أواصر المجتمعات. ثم ينتقل البحث في جزئه الثاني إلى كشف حساب الدبلوماسية السودانية المنحازة منذ الاستقلال، وصولًا إلى صياغة تصور لدبلوماسية سودانية عصرية قادرة على بناء مجتمع متصالح ومستقر.

لقد كشفت العقود الماضية عن تداعيات فشل الدبلوماسية السودانية ودورها السلبي في خدمة الدكتاتوريات وإشعال الحروب والفتن. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تأسيس دبلوماسية سودانية جديدة تعزز التفاهم بين الشعوب عبر التبادل الثقافي، وتُحسن إدارة التعدد والتنوع الثقافي والديني والعرقي في السودان.

ستنشر هذه الدراسة في حلقات، لتقديم فن الدبلوماسية بصورة حية تجذب القارئ والباحث، وتُرشده إلى كيفية تأسيس دبلوماسية من الواقع السوداني، مقارنةً بدول تأسست على المواطنة وحقوق الإنسان مثل جنوب أفريقيا. كما تسعى الدراسة إلى توضيح كيف يمكن للسياسات الدبلوماسية المحنكة  كما للتهور أو المغالاة في الحذر أو الحماقة  أن تؤثر تأثيرًا عميقًا في مقدرات الشعوب.

الدبلوماسية عبر التاريخ: من صناعة السلام إلى خلق الحروب

لم تكن الدبلوماسية وليدة العصر الحديث، بل تعود جذور الكلمة إلى اليونان القديمة، حيث أُطلقت لفظة «الدبلوماسي» على الرجل كبير السن، ثم استُخدمت لاحقًا في اللغة الفرنسية للدلالة على عمل المفاوض.

وللنشاط الدبلوماسي تاريخ طويل يعود إلى آلاف السنين؛ فأقدم أثر يدل على ممارسة دبلوماسية هو خطاب منقوش على لوح حجري يعود إلى نحو 2500 عام قبل الميلاد، عُثر عليه في شمال إيران. كما يؤرخ بعض الباحثين، مثل ديفيد رينولدز، لبداياتها إلى العصر البرونزي.

وتكشف وثائق من عهد إخناتون في مصر القديمة عن عالم من المبعوثين المتنقلين تحركهم قضايا الحرب والسلام، وهو شكل بدائي من أشكال الدبلوماسية وفق معايير اليوم.

تطورت الدبلوماسية بصورة كبيرة منذ صلح وستفاليا عام 1648، الذي أنهى حرب الثلاثين عامًا وأرسى مبدأ سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وحرية الاعتقاد والتسامح الديني. ومنذ ذلك الحين تعددت تعريفات الدبلوماسية؛ فقد عرفها هارولد نيكسون بأنها «إدارة العلاقات بين الدول المستقلة عبر المفاوضات»، بينما وصفها وين كاتلين بأنها «فن انتقاء المعسول من الكلام إلى أن تجد حجارة تقذف بها»، أما هنري كيسنجر فاعتبرها «لعبة وحشية تدور حول سياسة القوة».

ومع انهيار الملكيات المطلقة وصعود الأنظمة الدستورية والجمهورية، ترسخ إنشاء السفارات والمفوضيات، وانتشرت الدبلوماسية على النمط الأوروبي عالميًا. ولا شك أن مسار الأحداث الكبرى في الدبلوماسية الحديثة شكّل العالم الذي نعيش فيه اليوم.

الوجه الآخر للدبلوماسية

كما أسهمت الدبلوماسية في صنع السلام، فقد كانت أحيانًا أداة لإشعال الحروب. فمعاهدة توردسيلاس (1494) التي قسمت العالم بين البرتغال وإسبانيا تجاهلتها لاحقًا قوى صاعدة مثل إنجلترا وهولندا، مما أشعل صراعات استعمارية جديدة. وكذلك معاهدة فرساي (1919)، التي أنهت الحرب العالمية الأولى، كانت ببنودها العقابية القاسية ضد ألمانيا أحد الأسباب المباشرة لصعود النازية والحرب العالمية الثانية.

هنا تتحول الدبلوماسية من وسيلة لإرساء سلام عادل إلى أداة لفرض إملاءات المنتصر، فتزرع بذور حروب لاحقة.

نحو دبلوماسية عصرية لبناء مجتمع متصالح

في القرن الحادي والعشرين، ومع انتشار الصراعات الداخلية، لم تعد الدبلوماسية التقليدية القائمة على القنوات الرسمية كافية. برز مفهوم «الدبلوماسية متعددة المسارات» التي تشمل الأكاديميين ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص والإعلام في جهود بناء السلام.

ولكي تنجح هذه الدبلوماسية في مجتمع متعدد، يجب أن تقوم على أسس متينة:

1. الانتقال من الهويات الفرعية إلى المواطنة الشاملة:

المشكلة ليست في التنوع، بل في سوء إدارته. عندما يشعر المواطن بالإقصاء يلجأ إلى هويته القبلية أو الدينية. والحل يكمن في دولة تقوم على المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات.

2. الاعتراف بالآخر وتعزيز ثقافة التعايش:

التعايش عملية إيجابية تتطلب أطرًا دستورية وقانونية راسخة، واستراتيجيات إعلامية تفكك خطاب الكراهية وتعزز خطاب التسامح.

3. الحوار المستمر كمؤسسة دائمة:

ينبغي أن يتحول الحوار من رد فعل للأزمات إلى آلية مؤسسية تعمل في أوقات السلم قبل اندلاع النزاعات.

السودان نموذجًا: تنوع غير مُدار يتحول إلى حروب

تمثل الفترة منذ الاستقلال في 1 يناير 1956 المرحلة التأسيسية للدبلوماسية السودانية. وقد ورثت الدولة تحديات معقدة: أزمة الهوية، الصراع حول الدستور، مشكلة الجنوب، ومعضلة التنمية، إضافة إلى الصراعات الأيديولوجية.

أولًا: دبلوماسية الديمقراطية الأولى (1956–1958)

ورثت الدولة إشكاليات جوهرية، أبرزها استبدال الإداريين البريطانيين بسودانيين من الشمال فقط، مما خلق استياءً جنوبيًا. كما لم يُحسم نمط الحكم، فاعتمد دستور مؤقت لم يرَ الدستور الدائم النور حتى اليوم.

شهدت الفترة توجهًا نحو الغرب، بعقد اتفاقية مساعدات أمريكية عام 1958، لكن الانقسامات الأيديولوجية الداخلية أسهمت في انقلاب 17 نوفمبر 1958 بقيادة الفريق إبراهيم عبود.

ثانيًا: دبلوماسية عهد عبود (1958–1964)

اتسمت بالبراغماتية، خاصة في حل الخلاف مع مصر بشأن مياه النيل. غير أن سياساته تجاه الجنوب اتسمت بالقمع، مما أدى إلى تفاقم الأزمة واندلاع الحرب الأهلية، وكانت أحد أسباب ثورة أكتوبر 1964.

ثالثًا: الديمقراطية الثانية (1964–1969)

استمرت الانقسامات بين الأحزاب التقليدية والتيارات الأيديولوجية، وانعكس ذلك على السياسة الخارجية. وكان مؤتمر المائدة المستديرة (1965) محاولة جادة لمعالجة قضية الجنوب، لكنه لم يحقق النجاح المنشود.

اتفاقية أديس أبابا 1972

مثلت الاتفاقية نموذجًا أوليًا لإدارة أزمة في مجتمع متعدد، ومنحت الجنوب حكمًا ذاتيًا. وقد لعبت الدبلوماسية دورًا محوريًا عبر:

وساطة مجلس الكنائس العالمي.

احتضان إقليمي من الإمبراطور هيلا سلاسي.

مساهمات قانونية مؤثرة في صياغة نصوص الاتفاق.

لكن الاتفاقية انهارت عام 1983 بقرارات أحادية من الرئيس نميري، شملت تقسيم الجنوب وفرض قوانين سبتمبر، مما أشعل الحرب الأهلية الثانية.

خلاصة المرحلة

مثلت الدبلوماسية السودانية منذ الاستقلال حتى سقوط نميري مخاضًا عسيرًا لدولة تبحث عن هويتها. عجزت عن بناء علاقات متوازنة مع المحيطين الأفريقي والعربي، وانغمست في صراعات إقليمية دون حماية مصالحها الوطنية. كما تجاهلت العمق الأفريقي لصالح أوهام «العروبة السياسية»، ففقدت أوراق ضغط مهمة.

نواصل في الحلقات القادمة تناول عهد الدبلوماسية المنحازة، ومرحلة التمكين، والسقوط الحاد للدبلوماسية السودانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!