
عماد جدو
في كل مرة يُفتح فيها ملف إصلاح المؤسسة العسكرية في السودان، ترتفع أصوات ترفع شعار “الجيش خط أحمر”، وتزايد بالوطنية، وتتهم كل من ينتقد سطوة الإسلاميين على القوات المسلحة بأنه يستهدف الدولة نفسها. غير أن الخلط المتعمد بين “الدولة” و”الجماعة” هو جوهر الأزمة، وهو ما يجعل من المقارنة التاريخية أداة لفهم الحاضر لا مجرد استدعاء رمزي للماضي.
في يونيو 1826م أقدم السلطان العثماني محمود الثاني على خطوة مفصلية عندما أنهى وجود جيش الانكشارية في ما عُرف بـ“الواقعة الخيرية”. لم يكن القرار نزوة سلطانية، بل استجابة لواقع اختطفت فيه فرقة عسكرية الدولة العثمانية، واحتكرت الامتيازات، وعرقلت كل محاولات التحديث. كان قادة الانكشارية يتمتعون بنفوذ اقتصادي وسياسي واسع، ويقاومون أي إصلاح لأنه يهدد مصالحهم. ومع الوقت، تحولت القوة التي أنشئت لحماية الدولة إلى عبء عليها.
المقارنة مع السودان اليوم ليست بعيدة. فالمؤسسة العسكرية، التي يفترض أن تكون قومية ومهنية، تحولت عبر عقود إلى ساحة نفوذ لجماعة أيديولوجية بعينها. ومن يرفعون شعار الدفاع عن الجيش لا يدافعون عن مهنيته بقدر ما يدافعون عن شبكة مصالح مترابطة: جنرالات، نخب بيروقراطية، ودوائر اقتصادية ترى في استمرار الحرب ضمانًا لاستمرار الامتيازات.
إن استمرار الصراع في السودان لا يمكن قراءته فقط بوصفه مواجهة عسكرية بين طرفين، بل هو أيضًا صراع على طبيعة الدولة ذاتها: هل تكون دولة مؤسسات تخضع فيها القوات المسلحة لسلطة مدنية منتخبة، أم تبقى رهينة تحالف عسكري-أيديولوجي يرفض أي تحول ديمقراطي حقيقي؟
في السياق الإقليمي، تتقاطع الأزمة السودانية مع تحولات أوسع. فالصراع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم يعد مجرد مواجهة ظرفية، بل صراع على إعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط. السنوات الأخيرة شهدت تراجع نفوذ أنظمة وتنظيمات عقائدية؛ سقط نظام بشار الأسد، وتعرض حزب الله لضغوط عسكرية وسياسية قاسية، فيما تتغير معادلات القوة في أكثر من ساحة.
هذا المناخ الإقليمي والدولي لا يمنح أدوارًا دائمة للأنظمة الشمولية ذات الطابع الديني أو العقائدي، ولا يوفر مظلة آمنة لتحالفات عسكرية مغلقة داخل دول هشة. بل على العكس، يتجه العالم نحو إعادة تعريف مفهوم الشرعية السياسية، وربطه بالحكم الرشيد، والمؤسسات المدنية، والشفافية.
السؤال الذي يواجه السودان اليوم ليس عسكريًا فحسب، بل وجودي: هل يستمر في حماية وضع قائم يُبقي المؤسسة العسكرية رهينة شبكة مصالح، أم يجرؤ على إعادة بنائها على أسس مهنية وقومية؟ التجربة العثمانية تقول إن تأجيل الإصلاح يضاعف الكلفة، وأن تفكيك مراكز الامتياز المؤدلجة قد يكون شرطًا لبقاء الدولة لا تهديدًا لها.
الوطنية لا تعني الصمت على اختلالات المؤسسة، ولا تعني مساواة نقد الأداء بخيانة البلاد. بل إن الدفاع الحقيقي عن الجيش يكون بحمايته من التسييس، ومن تحويله إلى أداة في يد جماعة، أيًا كان اسمها أو خطابها.
بين “الواقعة الخيرية” في إسطنبول قبل قرنين، والمشهد السوداني اليوم، خيط مشترك واحد: حين تتحول الجيوش إلى حراس امتيازات، تصبح الدولة هي الضحية الأولى. ويبقى القرار بيد الشعوب والنخب الوطنية: إما إصلاح شجاع يعيد تعريف العلاقة بين السلاح والسياسة، أو استمرار حلقة مفرغة من الصراع تستنزف الوطن وتؤجل مستقبله.




