رأي

‏إدارة ترمب وأسواق الطاقة تبدو متفائلة أكثر من اللازم بالرغم من الضربات الإيرانية على بنى الطاقة التحتية في المنطقة

كلاي سيغال

 

‏كلاي سيغال

‏أعتقد أننا نمر حالياً بنقطة تحول حرجة بالنسبة لأمن الطاقة العالمي والقدرة على تحمل تكاليفها، وأكثر ما يلفت نظري هذا الصباح هو التفاوت الصارخ بين المخاطر الظاهرة التي تواجه أمن الطاقة العالمي بسبب هذه الحرب في منطقة الخليج، وبين توقعات إدارة ترامب والعديد من المشاركين في السوق والتجار الذين يبدون، حتى الآن، متفائلين بشكل مبالغ فيه بشأن مخاطر انقطاع الإمدادات الرئيسية، رغم أنه وكما ذكرتِ، تعرضت بعض أكبر مرافق تصدير الطاقة في العالم للقصف منذ وقت مبكر من اليوم وحتى الليلة الماضية.

‏في السيناريوهات التي تحدثنا عنها قبل أسبوعين، كنا ننظر في مسارين رئيسيين لاضطرابات الإمدادات: الأول هو حركة الشحن وتصدير شحنات النفط والغاز الطبيعي من الخليج إلى الأسواق العالمية، والآخر هو احتمال تعطيل أو حتى تدمير البنية التحتية والأصول في الخليج اللازمة لتحميل السفن، وقد شهدنا الامرين معًا في هذه الحرب التي بدأت قبل يومين، حيث تعرضت خمس ناقلات صغيرة لنيران أو أضرار نتيجة القتال في الخليج.

‏لكن الأثر الأكبر على الشحن كان تقنياً وفنياً؛ إذ إن شركات التأمين التي يتعين عليها تحديد علاوة المخاطر المناسبة لظروف الحرب ترغب في إلغاء العقود، وإعلان “القوة القاهرة”، وطلب علاوات أعلى للاستمرار في العمل بالمنطقة، وقد تسبب ذلك في توقف الكثير من السفن في الخليج بانتظار تعليمات أخرى.

‏وهناك عائق تقني آخر مهم وهو تعطيل أنظمة الملاحة؛ فأنظمة الـ (GPS) لجميع السفن في المنطقة تتعرض للتشويش، ومن الخطر فعلياً عبور تلك المضائق الضيقة حتى يتم حل هذه المشكلة، وهذا كله يحدث قبل أن تتعرض أساطيل التصدير فعلياً لنيران كثيفة من الطائرات المسيرة أو الصواريخ المضادة للسفن أو الألغام البحرية.

‏وكما ذكرنا، رأينا هذا الهجوم على “رأس تنورة” التي تبلغ طاقتها 550 ألف برميل يومياً، وهي الأكبر في السعودية، وكذلك محطة تصدير الغاز المسال في “رأس لفان” بقطر، والتي تصدر 10 مليارات قدم مكعب يومياً (حوالي 20% من الاحتياجات العالمية) عبر مضيق هرمز، لذا، أقول إن هناك فجوة مثيرة للاهتمام بين ما يبدو أنه تمهيد لوصول أسعار النفط إلى خانة المئات (أكثر من 100 دولار) وأسعار غاز طبيعي مرتفعة جداً، وبين توجه الرئيس ترامب، الذي يمتلك سجلاً طويلاً في التعبير عن حساسيتة تجاه ارتفاع أسعار النفط والوقود محلياً، لإدراكه ارتباط ذلك بمكافحة التضخم والازدهار الاقتصادي.

‏وأتساءل أيضاً عن أصدقائي في مكاتب التداول؛ فعندما كنا نفكر في خروج 5 ملايين برميل يومياً من الإمدادات الروسية في عام 2022، قفز سعر الخام إلى 130 دولاراً، ووصل سعر البنزين في أمريكا إلى 5 دولارات للجالون، أما الآن، فالنفط لم يرتفع إلا بنحو سبعة أو ثمانية دولارات فقط، فإما أن المتداولين والإدارة يعرفون شيئاً لا نعرفه نحن كمحللين، أو أننا نسير ونحن “نيام” نحو أسعار نفط تتجاوز المئة دولار قريباً جداً.

    ‏أنا مهتم للغاية بمعرفة ما إذا كان مضيق هرمز سيظل مفتوحاً، والكثيرون يسألون عن سبل التخفيف من حدة انقطاع الإمدادات.

‏إحدى “الوسائد” التقليدية في سوق النفط هي الطاقة الإنتاجية الفائضة، وهي حالياً عند مستوى منخفض نسبياً (حوالي 3 ملايين برميل يومياً أو أقل)، وتتركز لدى منتجين محليين فقط هما السعودية والإمارات، ولكن هذه الطاقة تقع بالكامل “خلف” مضيق هرمز (Upstream)، لذا، إذا كانت الحركة لا تخرج من الخليج العربي إلى الأسواق العالمية، فلا قيمة لتلك الطاقة الفائضة.

‏تمتلك السعودية والإمارات قدرة محدودة جداً لإعادة توجيه الصادرات بعيداً عن عنق زجاجة هرمز، لكنها ثانوية، لذا، أنا أراقب ما إذا كان مضيق هرمز سيبقى مفتوحاً “قانونياً” كما هو اليوم، ومفتوحاً “عملياً” أيضاً.

‏     السؤال الثاني الذي يجب أن يشغل بال الجميع هو: هل ستستمر هذه الهجمات ضد البنية التحتية، وخاصة البحرية منها، وتصبح أكثر إنهاكاً للصادرات مما رأيناه؟

‏ربما في “رأس لفان” بقطر كان الإغلاق أو التباطؤ إجراءً احترازياً، وأعتقد أن الأمر كذلك أيضاً في مصفاة “رأس تنورة” حيث رأينا تقليصاً لعمليات بعض الوحدات لأسباب تشغيلية لا تتعلق بالتصدير (بما أن التكرير موجه للسوق المحلي غالباً)، لذا، نحن بحاجة لمراقبة ما إذا كانت محطات التصدير في أماكن مثل السعودية، والإمارات، والعراق، والكويت ستتأثر بالقصف المباشر، وما إذا كان ذلك سيعيق تحميل السفن للتصدير. هذا هو المحك الرئيسي.

‏  جانب من كلمة كلاي سيغال في ندوة عقدها مركز الدراسات الستراتيجية والدولية عن (ما هو التالي في إيران؟) عقدت في الثاني من مارس 2026. كلاي سيغال هو خبير ومحلل جيوسياسي واقتصادي أمريكي مرموق، متخصص في أسواق الطاقة العالمية والأمن القومي، ويبرز اسمه دائماً عند حدوث أزمات سياسية تؤثر على تدفقات النفط والغاز، خاصة في منطقة الخليج العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!