تعقيب على مقال “الدولة الإخوانية في السودان: امتداد لصراع كوني متخيّل” للدكتور الوليد آدم مادبو
حسن النعمان لورد

حسن النعمان لورد
بكل تجرد وإنصاف، يمكن القول إن هذا التحليل الذي تقدّم به الدكتور الوليد آدم مادبو يمثل نموذجًا نادرًا للفهم العميق لجذور الأزمة السودانية، متجاوزًا القراءات السطحية التي تختزل المشكلة في صراعات نخبوية عابرة أو مؤامرات خارجية. إنه تشخيص دقيق لمرض عضال أصاب كيان الدولة السودانية، وأعاق تطورها الطبيعي لعقود.
لقد أصاب الكاتب حين وضع يده على الجرح النازف: تحوّل الدولة إلى مجرد أداة في مشروع أيديولوجي عابر للحدود. فهذه الإشكالية ليست مجرد خطأ في إدارة السياسة الخارجية، بل هي اختلال بنيوي في مفهوم الدولة ذاتها. فالدولة الحديثة تقوم على فكرة المصلحة الوطنية كمرجعية عليا، أما حين تُختطف هذه الدولة لتصبح مجرد ترس في ماكينة تنظيمية دولية، فإنها تفقد جوهرها وتتحول إلى كيان طفيلي يعيش على هامش التاريخ.
وما أروع ما أشار إليه الكاتب من تناقض “أسرى تاريخهم الأيديولوجي، وسجناء حاجتهم البراغماتية”، فهذه المفارقة تفسر حالة التخبط التي يعيشها نظام سابق أراد الجمع بين الماء والنار، بين شعارات الأمس وتحالفات اليوم، فخرج علينا بتناقضات صارخة فضحت زيف الخطاب وتبددت معها آخر هالات التقديس.
إن القيمة الكبرى لهذا التحليل تكمن في كشفه للعلاقة الجدلية بين الاستبداد الداخلي والارتهان الخارجي، فالدولة التي لا تستند إلى شرعية وطنية حقيقية تضطر للبحث عن شرعية بديلة في محاور إقليمية، وهكذا يدور السودان في حلقة مفرغة: قمع في الداخل يضعف الدولة، فيخلق فراغًا تملؤه القوى الخارجية، مما يزيد الحاجة إلى قمع أشد يستدعي دعمًا خارجيًا أكبر.
ولا يسع المرء إلا أن يتأمل بمرارة قوله: “لقد استُخدم السودان ساحةً: ساحة لتصفية حسابات، وساحة لغسل أموال، وساحة لتمرير رسائل إقليمية”. إنها حقيقة موجعة أن يتحول وطن بأكمله إلى خشبة مسرح يقدم عليها آخرون عروض صراعاتهم، بينما أبناء هذا الوطن متفرجون يدفعون الثمن دمًا وخرابًا.
إن ما يميز هذا النص هو قدرته على تجاوز المزايدات الأيديولوجية، ورفضه لكل من التوظيف السياسي للدين وتأليه المصلحة الوطنية المجردة في آن. فهو لا يدعو إلى التخلي عن القيم أو خصومة المستضعفين في الأرض، بل يضع معيارًا دقيقًا: أن تبقى العقيدة في خدمة الإنسان لا العكس. وكأنه يردد مقولة الإمام علي بن أبي طالب: “الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق”.
ختامًا، إن تفكيك الدولة المؤدلجة التي يطالب به الكاتب ليس شعارًا عاطفيًا، بل ضرورة وجودية لاستعادة السودان لمكانته الطبيعية. فكما أن المريض لا يبدأ رحلة الشفاء إلا بعد التشخيص الدقيق لدائه، فإن السودان لن يستعيد عافيته ما لم يجرؤ مثقفوه وأبناؤه على قول الحقيقة كما قالها الدكتور الوليد: إن الخلل ليس في التفاصيل، بل في المشروع نفسه.
إنها دعوة صادقة لبناء دولة تقوم على المواطنة لا على الانتماء الحزبي الضيق، وعلى المصلحة الوطنية لا على أوهام الصراع الكوني. دولة تعيد الاعتبار للإنسان السوداني الذي ظل طويلًا مجرد رقم في معادلات لا تعنيه، وحطب في نيران لا تدفئه.
فهل يسمع السودانيون صوت العقل قبل فوات الأوان




