
نجم الدين دريسة
حين يُختطف الجيش من عقيدته الوطنية، يصبح الوطن كله رهينة لمشروع أيديولوجي
ليس من السهل فهم طبيعة الأزمة العميقة التي يعيشها السودان دون التوقف عند التحول الجذري الذي طرأ على المؤسسة العسكرية خلال العقود الماضية. فالمشكلة لم تكن يومًا مجرد صراع سياسي عابر أو خلاف بين قوى مدنية وعسكرية، بل هي في جوهرها نتاج مشروع طويل المدى عمل على إعادة تشكيل الجيش السوداني وفق رؤية أيديولوجية محددة قادتها الحركة الإسلامية منذ انقلابها المشؤوم في 30 يونيو 1989.
لقد بدأ ذلك التحول مع استيلاء الإسلاميين على السلطة، حين أدركوا أن بقاء مشروعهم السياسي مرهون بالسيطرة الكاملة على أدوات القوة في الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية. ومنذ تلك اللحظة، انطلقت عملية منظمة لإعادة هندسة الجيش، ليس فقط عبر تعيين قيادات موالية، بل عبر إعادة تشكيل بنيته البشرية والعقائدية على مدى سنوات طويلة.
كان المدخل الأساسي لهذا المشروع هو الكلية الحربية. فمن خلال سياسات القبول والتزكية والاختيار، جرى تحويل هذه المؤسسة إلى قناة رئيسية لرفد الجيش بكوادر تحمل انتماءً أيديولوجيًا واضحًا للحركة الإسلامية وتنظيم الإخوان المسلمين. وعلى امتداد ثلاثة عقود، ظلت الكلية الحربية تفرخ ضباطًا معروفين بولائهم الفكري والعقائدي للحركة، الأمر الذي أدى تدريجيًا إلى تكوين طبقة واسعة من القيادات العسكرية التي تشكل وعيها السياسي داخل هذا الإطار التنظيمي.
بهذه الطريقة، لم يعد الجيش مجرد مؤسسة مخترقة أو متأثرة بالحركة الإسلامية، بل أصبح في كثير من مفاصله امتدادًا مباشرًا لها. لقد تحول إلى ما يشبه الذراع العسكري للحركة، ينفذ رؤيتها السياسية ويحمي مشروعها التنظيمي. ولذلك فإن أي محاولة للحديث عن فصل الجيش عن الحركة الإسلامية تبدو أقرب إلى التضليل وذر الرماد في العيون، لأنها تتجاهل حقيقة الاندماج البنيوي الذي تشكل عبر ثلاثة عقود من التمكين المنهجي.
لقد كان الإسلاميون بارعين منذ البداية في إدارة هذا المشهد المعقد، مستفيدين من قدرتهم على المناورة السياسية وصناعة السرديات المضللة. فمنذ الأيام الأولى لانقلاب 30 يونيو 1989، ظهر هذا الأسلوب بوضوح عندما أطلق حسن الترابي عبارته الشهيرة مخاطبًا عمر البشير: “اذهب إلى القصر رئيسًا، وسأذهب أنا إلى السجن حبيسًا”. كانت تلك العبارة تعبيرًا رمزيًا عن مسرح سياسي متقن، هدفه إخفاء العلاقة الحقيقية بين الحركة الإسلامية والسلطة العسكرية.
لكن مع مرور الزمن، بدأت الحقيقة تتكشف تدريجيًا أمام قطاعات واسعة من السودانيين. فقد أصبح واضحًا أن الجيش لم يعد مؤسسة وطنية محايدة، بل جزء من منظومة سياسية أوسع تقودها الحركة الإسلامية. هذا الإدراك الشعبي عبّرت عنه شعارات ثوار ثورة ديسمبر الباذخة التي صدحت في فضاء محيط القيادة، حين كانت الأصوات تتعالى بوضوح مؤكدة أن الجيش قد تحول إلى جيش الكيزان.
ولم يكن هذا الشعار مجرد تعبير عاطفي أو هتاف ثوري عابر، بل كان تلخيصًا مكثفًا لتجربة تاريخية طويلة عاشها السودانيون مع نظام التمكين الذي أعاد تشكيل مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية. لقد فهمت الجماهير أن المشكلة ليست في أشخاص بعينهم، بل في البنية التي جرى تأسيسها منذ عام 1989.
وفي السنوات اللاحقة، تعزز هذا الإدراك مع استمرار الحركة الإسلامية في الاحتفاظ بنفوذها داخل مفاصل الدولة، سواء في الجيش أو في الأجهزة الأمنية والاقتصادية المرتبطة به. فقد جرى تدوير العديد من الوجوه ذاتها تحت مسميات مختلفة، بينما ظل المشروع الأيديولوجي نفسه حاضرًا في الخلفية يوجه مسار المؤسسة العسكرية.
ويكفي النظر إلى الخطاب الذي يردده بعض رموز التيار الإسلامي في الساحة العامة، مثل الناجي عبد الله والناجي مصطفى، لفهم طبيعة هذا التماهي بين الحركة الإسلامية والمؤسسة العسكرية. فالتصريحات التي تصدر عن هؤلاء لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد آراء فردية، بل هي في كثير من الأحيان انعكاس لخطاب الجيش الإسلاموي الذي تشكل عبر سنوات طويلة من التمكين العقائدي.
إن المشكلة الكبرى في هذا الواقع لا تكمن فقط في سيطرة تيار سياسي على مؤسسة عسكرية، بل في الآثار العميقة التي يتركها ذلك على طبيعة الدولة نفسها. فعندما يتحول الجيش إلى أداة بيد حركة أيديولوجية، يفقد دوره الوطني الجامع، ويصبح طرفًا في الصراع السياسي بدلًا من أن يكون حارسًا للدستور والوطن.
ومن هنا، فإن الحديث عن إصلاح جزئي أو معالجة سطحية لهذا الخلل البنيوي لن يكون كافيًا. فالمطلوب هو مواجهة الحقيقة كما هي: المؤسسة العسكرية الحالية تشكلت داخل إطار أيديولوجي محدد، وأي محاولة لإعادة بنائها يجب أن تبدأ بتفكيك هذا الإطار.
إن الطريق الوحيد نحو استعادة جيش وطني حقيقي يمر عبر تأسيس مؤسسة عسكرية جديدة تقوم على معايير متفق ومتراضي عليها بين السودانيين. جيش يعكس تنوع المجتمع السوداني، ويحظر التسييس داخل صفوفه، ويقوم على المهنية والكفاءة بدلًا من الولاء التنظيمي أو الانتماء العقائدي.
فالسودان، بتعدده الثقافي والعرقي والسياسي، يحتاج إلى جيش يحمي الجميع ولا يخدم مشروعًا بعينه. جيش تكون عقيدته الدفاع عن الوطن، لا الدفاع عن تنظيم أو أيديولوجيا.
إن بناء مثل هذا الجيش ليس مهمة سهلة، لكنه شرط أساسي لأي مستقبل مستقر للدولة السودانية. فالدول لا يمكن أن تنهض بجيوش مؤدلجة، ولا يمكن أن تستقر حين تكون مؤسسات القوة فيها رهينة لمشروع سياسي ضيق.
ولهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست مجرد صراع على السلطة، بل هي معركة من أجل إعادة تعريف دور الجيش في الدولة السودانية. معركة تهدف إلى تحويله من أداة في يد حركة أيديولوجية إلى مؤسسة وطنية مهنية تحمي الوطن بكل مكوناته.
بدون هذا التحول الجذري، ستظل الأزمات تتكرر، وستظل الدولة تدور في الحلقة ذاتها التي بدأت منذ انقلاب الثلاثين من يونيو 1989. أما الخروج من هذه الحلقة، فيبدأ من الاعتراف بالحقيقة والعمل على بناء جيش جديد، جيش لكل السودانيين، لا جيشًا لحركة بعينها.




