رأي

التواصل القيادي: سلاح التغيير المفقود في مسار السودان الجديد

عبدالله محمد ادم - كمبالا 

عبدالله محمد ادم – كمبالا 

عبر التاريخ، أثبتت التجارب أن القادة العظماء هم أولئك الذين يستطيعون تحويل الرؤى المستحيلة إلى واقع ملموس من خلال القوة الكامنة عبر التواصل المستمر مع شعوبهم، فالرئيس ثيودور روزفلت الذي قاد أمريكا في ظل أعظم أزماتها الاقتصادية لم يكن مجرد سياسي تقليدي، بل كان قائدًا استثنائيًا حوّل اليأس إلى أمل من خلال خطاباته المتكررة التي أشعلت إيمان الشعب بإمكانية التغيير. وبالمثل، الإمبراطور الرومي الذي أدرك أن تدمير قرطاج لا يحتاج إلى قوة عسكرية فحسب، بل إلى إيمان جماعي يخلقه التكرار المستمر للرؤية ، اما اليوم، وفي منعطف تاريخي حاسم، يواجه السودان تحديًا مشابهًا يتعلق بقدرة قيادته على خلق هذا الإيمان الجماعي من خلال التواصل الفعال والمستمر , فعندما احس الإمبراطور الرومي التهديد الاستراتيجي من قرطاج كان يكرر شعار “قرطاج يجب أن تسقط” في كل مناسبة ، حتي تم سقوط قرطاج وتحقيق النصر و نيلسون مانديلا في فترة ما بعد الفصل العنصري كان يكرر خطابات المصالحة والوحدة الوطنية الي ان وصل لانتقال سلمي وديمقراطي و

قد أظهرت هذه النماذج التاريخية أن *التواصل ليس ترفًا* بل هو أداة استراتيجية لبناء الثقة وخلق الشرعية وتحقيق التغيير الجذري ،فالقائد الذي يكرر رؤيته باستمرار لا يذكر شعبه بالهدف فحسب، بل يخلق لديهم *الإيمان بإمكانية تحقيقه*، ويحول الفرد من مجرد متفرج إلى شريك فعال في صناعة التغيير.

و السودان اليوم عند مفترق الطرق، فثورته تبحث عن قيادة تواصلية بالحاح ،و قد شهد السودان على مدى تاريخه الطويل *سلسلة من الانقلابات والثورات التي فشل الكثير منها في تحقيق التحول الديمقراطي المنشود،و منذ استقلاله في عام 1956، عانى السودان من دورة سياسية مفرغة* من الحكم العسكري والمدني المتعاقب، حيث شهد أكثر من 10 انقلابات عسكرية نجح بعضها وفشل أغلبها .

وتبين دراسة أسباب فشل الثورات في السودان أن هناك *أخطاء رئيسية ارتكبتها القوى المدنية، أهمها التخلي عن ورقتها الرابحة بعدم تواصلها مع الجماهير، كما أن تفرق المدنيين في مقابل اتحاد العسكريين* شكل عاملًا حاسمًا في تعقيد المسار الانتقالي ومنح الفرصة للجيش لتدبير تحركاتهم .

في هذا السياق التاريخي المعقد، يبرز تحالف “تأسيس” كأمل جديد للسودان، لكنه يعاني من *بطء واضح في التواصل مع الجماهير ،فمنذ قيام مؤتمر نيروبي في فبراير، لم يظهر التحالف القيادة التواصلية الفعالة التي تستطيع تحريك المشاعر وخلق الإيمان الجماعي برؤية السودان الجديد، هذا البطء في اتخاذ القرارات ومخاطبة الجماهير قد يكون سببًا أساسيًا في فشل تأسيس السودان الجديد*، لغياب الارتباط الجماهيري به. فالشعب السوداني، الذي عانى لسنوات من الاستبداد والتهميش، يحتاج إلى خطاب متواصل يخلق لديه الأمل ويشعره بأنه شريك حقيقي في صناعة المستقبل،و اذ يمكن لتحالف “تأسيس” أن يتعلم من التاريخ فعليه ان يتعلم ضرورة التوافق المجتمعي وعدم استبعاد أصوات الجماهير، فقد أظهرت التجربة السودانية أن استبعاد شرائح كبيرة من الشعب السوداني من العملية السياسية يؤدي إلى إحباط الجماهير وغضبها. ففي الفترة الانتقالية التي أعقبت سقوط البشير، استبعدت بعض الأصوات الرئيسية في الاقاليم ، مما أثار غضب غالبية السودانيين الذين اعتبروا أن الرؤيا الديمقراطية الناشئة لا تخدم سوى أيديولوجيات ومصالح المجموعات القليلة المشاركة في تشكيل الحكومة،لذلك يحتاج تحالف “تأسيس” إلى *خطاب تواصلي مستمر* يشرح للشعب رؤيته ويخلق لديه الإيمان بإمكانية تحقيقها. فالقائد الذي يخاطب شعبه باستمرار لا يذكرهم بالهدف فحسب، بل يخلق لديهم الإيمان بإمكانية تحقيقه، ويحول الفرد من مجرد متفرج إلى شريك فعال في صناعة التغيير.

إن *التحدي الذي يواجه السودان* اليوم ليس تحديًا سياسيًا أو اقتصاديًا فحسب، بل هو تحدي قيادي تواصلي في المقام الأول. فالسودان يحتاج إلى قادة يستعيدون قوة الكلمة وقدرتها على تحريك الجماهير وخلق الإيمان الجماعي بإمكانية التغيير.

إن تحالف “تأسيس” مدعو اليوم إلى اعتماد استراتيجية تواصلية فعالة تخرج من دائرة الصمت والبطء إلى فضاء الخطاب المتواصل الذي يشرك الجماهير في صناعة المستقبل. فقط من خلال التواصل المستمر يمكن تحويل رؤية السودان الجديد من حلم بعيد إلى واقع ملموس، ومن فكرة مجردة إلى مشروع جماعي يؤمن به جميع السودانيين. فكما قال روزفلت في إحدى خطاباته: “الشيء الوحيد الذي يجب أن نخافه هو الخوف نفسه”،السودان اليوم بحاجة إلى قادة يخلصونه من خوفه ويوقدون فيه الأمل بإمكانية غد أفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!