رأي

تداعيات قرار تصنيف الحركة الإسلامية في السودان كمنظمة إرهابية وانعكاساته السياسية والأمنية.

سهيبة مريش

 

سهيبه مريش 

لقد شكلت الحركة الإسلامية في السودان على مدى عقود لاعباً محورياً ومؤثراً في المشهد السياسي والاجتماعي للبلاد، متداخلة بعمق مع بنية الدولة ومؤسساتها. ومع تفجر النزاع الأخير في الخامس عشر من أبريل، والذي أعاد تشكيل الخارطة السياسية والأمنية بشكل جذري، برزت مطالبات بتصنيف هذه الحركة كقوة معرقلة أو حتى إرهابية، وهو ما تم اتخاذ قرار بشأنه مؤخراً. على الرغم من تأخر هذا القرار، إلا أنه يحمل دلالات عميقة وتداعيات بالغة الأهمية على مستقبل السودان، لا سيما في سياق الصراع الدائر والتطلعات الشعبية لإنهاء الحكم السلطوي والعودة إلى المسار الديمقراطي.

إن هذا القرار، الذي صدر في هذه الحرب، يأتي كاعتراف ضمني بالدور السلبي الذي لعبته هذه الحركة، أو على الأقل بعض مكوناتها، في تعميق الأزمة وإضعاف النسيج الاجتماعي عبر ممارسات اتسمت بالتطرف والإقصاء الأيديولوجي. لطالما اتُهمت الحركة، أو الجماعات المرتبطة بها، بتبني خطاب متشدد واستخدام العنف أو الترهيب لتحقيق أهدافها السياسية، مما أدى إلى تآكل الثقة بين مكونات الشعب السوداني وتأجيج الصراعات الداخلية. ومن هذا المنطلق، يمثل هذا التصنيف خطوة ضرورية نحو تطهير الفضاء العام والسياسي من الأيديولوجيات التي تعيق بناء دولة المواطنة والحكم الرشيد.

من المفارقات أن يخرج هذا القرار التاريخي بالتزامن مع الحرب، الأمر الذي دفع البعض إلى اعتباره إحدى المحاسن غير المقصودة لهذه الحرب المدمرة. فلو لم تندلع الصراعات الحالية، لكان من الصعب جداً تحقيق مثل هذه الخطوة الإصلاحية الجذرية في ظل المقاومة الداخلية والخارجية التي كانت تواجه أي محاولة لتفكيك شبكات الحركة الإسلامية المتجذرة. هذا التطور، وإن كان متأخراً، يعد إشارة واضحة إلى أن المسار القديم الذي هيمن عليه تيار الإخوان المسلمين قد وصل إلى نهايته، مما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل التحالفات السياسية والأمنية على أسس وطنية جديدة.

إن الانعكاسات المترتبة على هذا التصنيف تمتد لتشمل الساحة الداخلية والخارجية على حد سواء. داخلياً، يمثل القرار دفعة معنوية كبيرة للقوى المدنية والديمقراطية التي ناضلت لسنوات ضد هيمنة النظام السابق. إنه يزيل غطاء الشرعية عن كيانات كانت تستخدم المظلة الرسمية لتنفيذ أجندتها الأيديولوجية. أما على الصعيد الخارجي، فمن المتوقع أن يضع هذا القرار حكومة الأمر الواقع التي يقودها عبد الفتاح البرهان في موقف أكثر عزلة دولية، خاصة إذا كانت هذه الحكومة تسعى لكسب اعتراف دولي واسع. فالتصنيفات الإرهابية غالباً ما تفرض قيوداً وعقوبات دولية، ولكن في هذه الحالة، قد ينظر المجتمع الدولي إلى القرار كإجراء تصحيحي مطلوب، مما قد يفتح قنوات تواصل مع الأطراف التي تدعم الانتقال الديمقراطي الحقيقي. إن هذا التطور يضع حكومة البرهان في مأزق؛

في هذا السياق، يبرز دور قوات الدعم السريع وحكومة التأسيس (التي تشير إلى التحالفات الناشئة بعد اندلاع الحرب) كقوة دافعة وراء هذا التحول. إن الاعتراف بالجهد المبذول في سبيل تحقيق هذا القرار أمر لا مفر منه، حتى لو كان هذا الجهد مرتبطاً بالصراع المسلح. ومع ذلك، فإن النجاح الحقيقي لهذا التحول لن يقاس بقرار التصنيف وحده، بل بمدى جدية الحكومة في ترجمة هذه الخطوة على أرض الواقع وإدارة الملفات الشائكة المتبقية.

يجب على حكومة التأسيس أن تُظهر التزاماً لا يتزعزع بالنزول إلى الميدان وإدارة شؤون الدولة بفاعلية، بعيداً عن التكتيكات العسكرية أو الأيديولوجية. إن تطهير المؤسسات والبدء في بناء هياكل دولة حديثة تتطلب إدارة اقتصادية رشيدة، وتحقيق العدالة الانتقالية، وضمان أمن وسلامة المواطنين. إذا فشلت الحكومة في معالجة الأزمات المعيشية اليومية التي يعاني منها الشعب السوداني، فإن أي انتصار سياسي أو أمني سيتحول إلى مجرد حبر على ورق.

بالنسبة للبرهان ومناصريه من اتباع النظام القديم، فإن هذا القرار يمثل صفعة قوية، ويدفعهم إلى حافة الهاوية السياسية. لقد أدى التمسك بالصمت أو التحالف مع بقايا النظام البائد إلى وضعه في موقف لا يُحسد عليه داخلياً وخارجياً. إن محاولة استخدام الحركة الإسلامية كقوة ضغط أو كشريك تكتيكي في الحرب قد ارتدت الآن كعبئ سياسي وأخلاقي. لقد أثبتت التجارب أن الاعتماد على قوى الإقصاء والتطرف لا يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة والدمار، كما يتضح من الوضع الحالي للبلاد.

في الختام، يمكن النظر إلى قرار تصنيف الحركة الإسلامية كإرهابية كخطوة محورية نحو إنهاء حقبة طويلة من الهيمنة الأيديولوجية التي أضعفت السودان. هذا القرار، رغم تأخره وارتباطه بسياق الحرب، يمثل فرصة تاريخية لإعادة تأسيس العقد الاجتماعي السوداني على أسس وطنية جامعة. إن المستقبل مرهون بمدى التزام القوى السياسية الحالية بتحويل هذا التصنيف إلى إصلاح مؤسسي حقيقي، يضمن أن يعيش الشعب السوداني بكرامة وينال حقوقه الطبيعية في دولة مدنية ديمقراطية. وفي نهاية المطاف، فإن ثورة الجياع وثورة الشعب العظيم لن تنتصر إلا بتحقيق العدالة الشاملة وتفكيك كافة أشكال الاستبداد التي عانت منها البلاد طويلاً، وليس فقط بإزاحة كيان واحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!