رأي

تحالف تأسيس أمام لحظة الحقيقة… هل يقتلع جذور التطرف أم يبدّد الفرصة التاريخية؟

حسن النعمان

 

 حسن النعمان

يقف تحالف السودان التأسيسي، ومعه حكومة السلام، أمام لحظة سياسية دقيقة قد تكون من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ السودان المعاصر. لحظة تتقاطع فيها الإمكانات الهائلة مع التحديات العميقة، وتلتقي فيها الآمال الشعبية الواسعة مع مسؤولية اتخاذ القرار الحاسم.

فعلى الرغم من أن مسار “تأسيس” يبدو أحياناً بطيئاً، وكأنه يحاول شق طريقه في صخر صلب، إلا أن الحقيقة تقول إن هذا الكيان يمتلك مقومات نادرة قد تجعله قادراً على تغيير معادلة السودان بالكامل إذا أحسن قراءة اللحظة واستثمار الفرص المتاحة.

إن الرقعة الجغرافية الواسعة التي تقف تحت سلطته، بما تحويه من موارد طبيعية ضخمة وثروات كامنة، ليست مجرد أرقام على الخرائط، بل إمكانات استراتيجية يمكن أن تتحول إلى رافعة اقتصادية وسياسية هائلة. ويضاف إلى ذلك جمهور واسع من السودانيين الذين يعلّقون آمالهم على هذا المشروع بوصفه مدخلاً للخروج من أزمات طويلة أثقلت كاهل البلاد.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: لماذا يبدو هذا المشروع الكبير أحياناً وكأنه لا يدرك كامل حجم قوته؟

هل يعود ذلك إلى التردد في اتخاذ القرارات المصيرية؟ أم أن هناك عوامل خفية تعيق الحركة وتبطئ الخطى، بينما تبدو الصورة في ظاهرها مختلفة؟

ورغم هذا البطء الظاهر، فإن الفرص ما تزال تتدفق. بل إن بعضها يأتي على شكل فرص سياسية نادرة لا تتكرر كثيراً في تاريخ الدول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الفرص إلى واقع ملموس، بدلاً من أن تضيع في زوايا التردد أو الحسابات الضيقة.

فالعالم بدأ بالفعل يعيد ترتيب أولوياته تجاه السودان. وتزداد في الأوساط الدولية الدعوات لمواجهة التنظيمات المتطرفة التي تغلغلت في مفاصل الدولة خلال العقود الماضية، وهو ما يضع “تأسيس” أمام اختبار حقيقي: هل يمتلك الإرادة السياسية اللازمة لاقتلاع هذه الجذور التي أرهقت البلاد وأدخلتها في دوامات متتالية من الأزمات؟

إن المعركة في مثل هذه القضايا لا تبدأ فقط في الميدان، بل أيضاً في فضاءات الدبلوماسية الدولية حيث تُبنى المواقف وتُصاغ التحالفات.

وفي هذا السياق، كنت قد أشرت خلال حديثي عبر القناة الثانية للتلفزيون البلجيكي داخل الاتحاد الأوروبي إلى ضرورة أن تنظر الدول الأوروبية بجدية إلى بعض التمثيلات الدبلوماسية السودانية التي تحيط بها شبهات الارتباط بتيارات متطرفة. فالدبلوماسية، في جوهرها، وجدت لتكون جسراً للسلام وبناء العلاقات بين الشعوب، لا ستاراً يُستخدم لحماية شبكات تهدد الاستقرار أو تعمل على تصدير الأزمات.

إن الحصانة الدبلوماسية ليست امتيازاً مطلقاً، بل مسؤولية سياسية وأخلاقية. وأي دولة تتغاضى عن إساءة استخدام هذا الامتياز إنما تفتح الباب أمام مخاطر قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدودها.

اليوم يقف السودان بالفعل عند مفترق طرق حقيقي.

والتاريخ – كما تقول التجارب – لا ينتظر المترددين. الفرصة الآن قائمة، والدعم الدولي يتشكل، والتعاطف الشعبي حاضر بقوة.

لقد أُلقيت الكرة في ملعب “تأسيس”، والشباك مفتوحة على مصراعيها.

ويبقى السؤال الذي سيحسمه الفعل لا القول:

هل يغتنم تحالف تأسيس هذه اللحظة التاريخية ليضرب جذور التطرف ويكتب فصلاً جديداً في تاريخ السودان، أم يترك الفرصة تمر كما مرت فرص كثيرة من قبل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!