
نجم الدين دريسة
ليست كل الجغرافيا نعمة. فبعض الجوار يتحول مع الزمن إلى معضلة سياسية حين تُبنى العلاقات بين الدول لا على الندية والاحترام المتبادل، بل على حسابات النفوذ والهيمنة. وفي الذاكرة السياسية السودانية، كثيراً ما ظهرت مصر في هذا السياق: جارٌ قريب في الخرائط، لكنه في تجارب السياسة ظل مثقلاً بالشكوك والمرارات.
فالعلاقة بين الخرطوم والقاهرة لم تكن يوماً مجرد علاقة طبيعية بين دولتين تتقاسمان نهر النيل والتاريخ. بل كانت في كثير من مراحلها علاقة مشدودة بين طموح سوداني للاستقلال الكامل، ورغبة مصرية مستمرة في إبقاء السودان داخل دائرة نفوذها الاستراتيجي.
هذه المعادلة ليست وليدة اللحظة، بل تشكلت عبر عقود طويلة من التداخل السياسي والأمني. ففي كثير من المحطات المفصلية في تاريخ السودان الحديث، كان الحضور المصري يظهر في خلفية المشهد، سواء عبر علاقات وثيقة مع أنظمة السلطة أو من خلال تأثيرات سياسية وأمنية عميقة.
أحد أبرز ملفات التوتر يتمثل في قضية الأراضي الحدودية المتنازع عليها، التي تحولت في الوعي السوداني إلى رمز للاختلال في ميزان العلاقة بين البلدين. فالقضية لم تعد مجرد خلاف حدودي، بل أصبحت تعبيراً عن سؤال أكبر يتعلق بالسيادة والحق التاريخي وإدارة النزاعات بين الدول المتجاورة.
ثم يأتي ملف مياه النيل، الذي ظل لعقود طويلة أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين البلدين. فالاتفاقيات التي حكمت تقاسم مياه النهر صيغت في سياقات تاريخية لم تكن تعكس موازين العدالة بين دول الحوض بقدر ما كانت تعكس معادلات القوة السياسية في تلك الفترات.
وبمرور الزمن، تحول هذا الملف إلى نقطة توتر مستمرة، خاصة مع تنامي الوعي السوداني بحقوقه المائية وضرورة إعادة النظر في منظومة الاتفاقيات القديمة التي حكمت استخدام النهر.
لكن التوتر بين الخرطوم والقاهرة لم يقتصر على الحدود والمياه. فالتاريخ السياسي الحديث للسودان يكشف أن مصر لعبت أدواراً مؤثرة في توازنات السلطة داخل البلاد، وغالباً ما كان هذا الدور مرتبطاً بالحفاظ على ترتيبات سياسية تخدم رؤيتها الاستراتيجية في المنطقة.
وقد أدى ذلك إلى بروز قناعة متزايدة لدى قطاعات واسعة من السودانيين بأن القاهرة كثيراً ما فضلت التعامل مع مراكز السلطة أكثر من تعاملها مع تطلعات الشعوب، وهو ما جعل العلاقة بين البلدين تدور في دائرة من التوجس السياسي.
واليوم، ومع التحولات العميقة التي يشهدها السودان، يعود هذا النقاش إلى الواجهة بقوة. فالدولة السودانية التي تسعى لإعادة بناء مؤسساتها واستعادة سيادتها تجد نفسها أمام تحدي صياغة علاقات إقليمية تقوم على التوازن والندية، لا على الإرث القديم للنفوذ.
وفي المقابل، فإن مصر أيضاً أمام اختبار تاريخي. فالإقليم يتغير بسرعة، والتحالفات التقليدية لم تعد ثابتة كما كانت، والشعوب التي خاضت ثوراتها من أجل الحرية لم تعد تقبل أن تُدار شؤونها من خارج حدودها.
إن الجغرافيا قد تفرض على السودان ومصر أن يبقيا جارين إلى الأبد، لكن السياسة هي التي ستحدد إن كان هذا الجوار فرصة للتكامل أم عبئاً دائماً على استقرار المنطقة.
ولهذا يبقى السؤال مطروحاً بقوة في الوعي السوداني:
هل تعيد القاهرة النظر في طبيعة علاقتها مع السودان على أساس الاحترام المتبادل للسيادة، أم ستظل العلاقة أسيرة عقلية النفوذ القديمة التي أثقلت تاريخ وادي النيل لعقود طويلة؟




